فهرس الكتاب

الصفحة 4354 من 28557

أخاف عليكم الشرك الأصغر"، وفي الحديث:"من حلف بغير الله، فقد أشرك"، ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار; ومن هذا قوله صلى الله عليه و سلم"الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل"3 فانظر: كيف انقسم الشرك، والكفر، والفسوق، والظلم، إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عن الملة."

وكذلك النفاق، نفاقان; نفاق اعتقادي، ونفاق عملي; والنفاق الاعتقادي مذكور في القرآن، في غير موضع، أوجب لهم تعالى به الدرك الأسفل من النار; والنفاق العملي، جاء في قوله صلى الله عليه و سلم:"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا أؤتمن خان"1، وكقوله صلى الله عليه و سلم"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"2 قال بعض الأفاضل: وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام، ولكن إذا استحكم وكمل، فقد ينسلخ صاحبه من الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم; فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال، فإذا كملت للعبد، ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا، انتهى.

الأصل الخامس: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد، أن يسمى مؤمنا، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر، أن يسمى كافرا، وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمى عالما، أو طبيبا، أو فقيها; وأما الشعبة نفسها، فيطلق عليها اسم الكفر، كما في الحديث:"اثنتان في أمتي هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت"، وحديث:"من حلف بغير الله فقد كفر"، ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق.

فمن عرف هذا، عرف فقه السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم; قال ابن مسعود:"من كان متأسيا، فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، فإنهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا. قوم: اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ; وقد كاد الشيطان بني آدم بمكيدتين عظيمتين، لا يبالي بأيهما ظفر; أحدهما: الغلو ومجاوزة الحد والإفراط. والثاني: هو الإعراض، والترك، والتفريط".

قال ابن القيم: لما ذكر شيئا من مكائد الشيطان، قال بعض السلف:"ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وتقصير; وإما إلى مجاوزة وغلو; ولا يبالي بأيها ظفر". وقد اقتطع أكثر الناس إلا القليل، في هذين الواديين، وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي; والقليل منهم الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه; وعد رحمه الله كثيرا من هذا النوع - إلى أن قال: وقصر بقوم، حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم، كإيمان جبريل وميكائيل، فضلا عن أبي بكر، وعمر; وتجاوز بآخرين، حتى أخرجوا من الإسلام، بالكبيرة الواحدة. )) ا. هـ راجع الدرر السنية المجلد الأول

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (7/ 523)

(( أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوى ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء} [المائدة: 81] ، وقال: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] . وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بَلْتَعَة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] .

وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أُبَيّ في قصة الإفك، فقال لسعد بن معاذ: كذبت والله، لا تقتله، ولا تقدر على قتله، قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحَمِيَّة ))

فالمتحصل من كلامه رحمه الله و هو ظاهر في أن الموالاة قد تكون لأمر دنيوي فتكون كبيرة من الكبائر لا كفرًا بواحًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت