فهرس الكتاب

الصفحة 4559 من 28557

نسمي «مجالس القرآن» مساهمة في تصحيح ما انحرفت إليه بعض الحركات الإسلامية؛ حيث تحولت مجالسهم التربوية إلى اعتماد كتاب فلان أو علان من التآليف الفكرية البشرية منهاجًا للدين والتدين. وهذا خطر كبير قد بيناه من قبل [30] ؛ إذ بسببه يصيب الدعوات ما يصيبها من أنانية، وذاتية، وشركية نفسية في كثير من الأحيان، إن التربية الدعوية لا يمكن أن تستقيم على التوحيد الاعتقادي والعملي والوجداني إلا بالتعلق المصدري بكتاب الله وسنة رسول الله في المجال التربوي، بالنسبة للمربي والمتربي سواء.

وقد تبين مما سبق أن عملنا يقوم على منهج واضح وبسيط: الاعتصام بالقرآن آية آية؛ مصدرًا أول للتدين، والدعوة إليه، وبالشمائل المحمدية نموذجًا أعلى للتطبيق. فهو قسمان. وبيان ذلك كما يلي:

القسم الأول: اُسْلُكْ نفسَكَ وصاحبك في مجلس من (مجالس القرآن) ، وسرْ من خلالها إلى الله. لا تهتم كثيرًا في هذا الشأن خاصة بالتنظيمات والجماعات، فما نحن فيه أعم من وجه بكثير مما هي فيه. وهما أمران لا يتعارضان. لك أن تنتظم فيما شئت منها، ما دام فضلها يغلب على نقصها. ولكن لا تنس (مجالس القرآن) فذلك منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تلقين صحابته صفات الصلاح، ومقومات الإصلاح. تعلم من القرآن مباشرة دعوة الخير: (يدعون إلى الخير) . تتبع منهج القرآن كما عرضه القرآن: التلاوة، والتعلم والتعليم، والدراسة والتدارس، ثم التدبر. فاجعل مجلسك القرآني على هذه الفقرات الأربع. وبيانها كما يلي:

1 -فأما التلاوة: فبركة وزكاة في نفسها، فقد ثبت الأجر كما بيناه قبل على كل حرف تتلوه من القرآن؛ فلا تنس هذا. والله عز وجل أمر بالتلاوة للقرآن في غير ما آية، قال عز وجل: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} (الكهف: 27) ، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} (فاطر: 29) .

وقال: {لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} (آل عمران: 113) ، وقال تعالى: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا} (المزمل: 4) ، ثم قال: {َاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ} (المزمل: 20) . وفي الحديث الصحيح: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه ويتعتع فيه، وهو عليه شاق؛ له أجران» [31] . فاقرأ كما استطعت؛ وتعلم كي تتزكى. فقد رأيت أن التلاوة بدء فعله صلى الله عليه وسلم من التزكية والتعليم، كما مر في قوله تعالى: {َتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (آل عمران: 164) .

2 -وأما التعلم والتعليم: فهو لأحكامه كما ذكرنا. وهو يكون بتحصيل العلم للنفس وتلقينه للغير؛ وذلك لقول الله تعالى: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79) . فقد قُرِئَتْ (تَعْلَمُون) و (تُعَلِّمُونَ) فهي عملية مزدوجة، الجمع بين شقيها أوْلى: التعلم والتعليم. وأقل ذلك يا صاح! أن تكون أحَدَهما: معلمًا أو متعلمًا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالمًا أو متعلمًا» [32] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا؛ ولكن بعثني معلمًا ميسرا» [33] .

3 -وأما الدراسة والتدارس: فهو تتبع وجوه المعاني والدلالات للمقاصد والغايات، من كل آية وسورة. ويجمع الثانية والثالثة مما ذكرنا من قوله تعالى: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79) ، ويجمع المراحل الثلاث كلها ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أن ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون» ... الحديث [34] .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت