فهرس الكتاب

الصفحة 4686 من 28557

إن ألقينا باللائمة على (الآراء المتأرجحة بين الرأيين) , وهذه الآراء التي لم أسمع بها إن كانت قد وجدت فعلا فليست مما اشتهر واستمر حتى يوجد له هذه التأثير الكبير في تدشين القراءة الأديولوجية التي ينتقدها الكاتب.

خامسا: بعد أن أربك الكاتب عقلية القارئ بتقديم (الآراء المتأرجحة بينهما، وتكاثر الأنصار والخصوم لكليي الرأيين) كمتهم بإيجاد التفسير الأيديولوجي المتشدد, انتقل للهجوم المباشر الذي سيكون أقل استفزازا للعقل بعد وقوعه في الحيرة وتشتيت قدرته على تمييزالمقصود الواضح, وذلك حين قرر وبكل صراحة أن المتهم هو ما أسماه"النظرة التقليدية التي أقصت النظرة الاعتزالية من الساحة"وهي بالطبع عقيدة أهل السنة القائلين بأن القرآن كلام الله. ثم ذكر جريمة النظرة بأنها أيدت"نسخة غير قابلة لتطوير مفهوم تفسير النص القرآني ليتوأم مع مستجدات العصر، من خلال أعمال معيارها المشهور (القرآن منزل غير مخلوق) ", فإعمال هذه العقيدة التي سماها الكاتب معيارا وأضافها للقائلين بها - في قوله:"معيارها"- في أسلوب يراد به سحب الشرعية من هذه العقيدة بتسميتها بالمعيار ونسبتها للنظرة, ولا يخفى الفرق بين العقيدة والنظرة.

سادسا: أبان الكاتب عن غرضه من هذا الهجوم على العقيدة, التي سترها بلباس"معيار النظرة", وهو - أي الغرض -"تطوير مفهوم تفسير النص القرآني ليتوأم مع مستجدات العصر", وهدفه الذي يفهم من ظاهر هذه العبارة هو تقديم معيار جديد لتفسير النص وهو: موائمة مستجدات العصر, وذلك في قوله:"ليتوأم مع مستجدات النص".

سابعا: كان من الممكن للكاتب أن يجعل هذا المعيار محور مقاله - وهي فكرة قديمة قدم العصرانية في كل الأديان - ليسوق الحجج اللازمة لجعله هو المعيار الصحيح لتفسير النص, ولكن مراده في المقال أبعد من هذا, وهو الانتقال من مرحلة تفسير النص إلى مرحلة تصنيف النص, حيث يجعل بعض القرآن ليس من كلام الله الذي يحتج به في إثبات التصورات والعقائد وإنما هو كلام بشر ساقه الله في كتابه فلا حجية له. وهذه نقلة ضخمة وكبيرة يجب أن ينتبه لها أهل القرآن حيث الأمر تجاوز التفسير إلى النص نفسه!!

ثامنا: خطورة هذا الأمر حاضرة في ذهن الكاتب, فهو يعي ما يكتب حيث يقول محاولا تخفيف اللهجة:" (القرآن منزل غير مخلوق) وهو قول حق في عمومه", ولكن في ذات الأمر تحمل هذه العبارة طعنا مباشرا في هذه العقيدة التي لا يتطرق الشك فيها عند أي مسلم يؤمن بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق جملة وتفصيلا, وذلك بجعل بعض الآيات ليست من كلام الله ولا يحتج بها لأنها من كلام غيره وهو إنما ساقها من قول ذلك الغير, ولذلك استعمل قيد"في عمومه".

تاسعا: يبدأ الكاتب في التأسيس لفكرة (محاور النص القرآني) , والتي كان يمهد لتقديمها للقارئ بعد أن قدم المقدمات اللازمة التي تصور المخالفين على أنهم أصحاب تفسير أيديولوجي ينطلق من اعتقاد سابق لقراءة النص, وينتج عن صراعات أيدولوجية وربما خلفيات سياسية - كما توحي به طريقته في إيراد خلاف السلف مع المعتزلة, لا سيما وهو القائل في مقال سابق بعنوان (التعالي بالسياسة وبروز الفرق الكلامية) :"لو فتشنا عن الأسباب التي تختفي وراء كثير من الآراء والمعتقدات التي تتبناها كثير من الفرق الكلامية في الإسلام لوجدنا أنها لا تخرج عن محيط السياسة، إما فعلًا بادئًا أو ردة فعل عليه".

فكرة (محاور النص القرآني) عند الكاتب هي عبارة عن تقسيم النص القرآني إلى ثلاثة محاور رئيسية:"محور المتكلم ومحور المستقبل ومحور الغائب المتكلم عنه". حيث المتكلم هو الله جل وعلا, بينما المستقبِل هو الرسول صلى الله عليه وسلم, وأما الغائب المتكلم عنه فهو من يورد القرآن قصصهم وأخبارهم من السابقين, سواء كانوا فجار أو صالحين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت