الخطير في الأمر ليس هو مجرد التقسيم, بل ما رتبه الكاتب عليه من نفي كون الكلام الذي سيق على لسان المستقبل وهو النبي صلى الله عليه وسلم كلاما لله, وذلك في قول الكاتب:"فما قد يأتي من نصوصه على لسان المستقبل مثلًا، فليس هو من كلام المتكلم تعالى، وإنما هو كلام ساقه الله تعالى على لسان المستقبل (الرسول) لغرض رئيسي في وظيفة النص"وكذلك بالنسبة لما سيق على ألسنة السابقين, حيث يقول الكاتب:"مثلما أن ما تحمله النصوص من كلام على ألسنة الغائبين المتكلم عنهم في القرآن، أو ما تحمله من أخبار عنهم، لا يمثل في حقيقته كلام الله تعالى، لأن ما تحمله من مضامين قد يخالف أمر الله وحكمته، والله تعالى يسوقها لتؤدي هي الأخرى وظيفة محددة في النص القرآني"ونلاحظ هنا أن الكاتب استعمل تعبيرين وهما: ليس من كلام المتكلم تعالى, والآخر: لا يمثل في حقيقته كلام الله, والسببان اللذان يدعوان الكاتب لهذين التعبيرين هما أن"ما تحمله من مضامين قد يخالف أمر الله وحكمته، والله تعالى يسوقها لتؤدي هي الأخرى وظيفة محددة في النص القرآني". يعني تلك الآية التي تكون على لسان المستقبل أو الغائب المتكلم عنه.
ولكننا نقول للكاتب مستنكرين ومتعجبين: أي تناف بين كون الله تعالى تكلم بهاذين القسمين (المستقبل والغائب المتكلم عنه) وبين أدائهما لوظيفة محددة كالعظة والعبرة مثلا؟!
فأي تناف بين أن يقول الله جل وعلا على لسان فرعون {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} وبين أن يكون هذا القول له وظيفة هي بيان حال فرعون واستكباره ومن ثم الاتعاظ بمآله وعاقبته التي هي عاقبة كل متكبر؟!
فنقول: هذا من كلام الله على لسان فرعون, وقد سيق لمعنى وحكمة, وليس ذلك منافيا لتكلم الله به, لأن الله تعالى تكلم به على لسان فرعون مبينا شناعته.
فبهذا يتبين ضعف وهزالة النتيجة التي هي نفي كون بعض الآيات من كلام الله التي رتبها الكاتب على مقدمة لا توصل لها أبدا, ولا صلة لها بها, وهي أنها تحمل مضامين قد تخالف أمر الله وحكمته, إذ لا تنافي بين الأمرين البتة إذ سيقت تلك الآيات لحكمة أخرى, وهذا أمر واضح بين.
عاشرا: كان الكاتب في غنى عن أن يدخل نفسه في هذه المتاهة, وذلك لو أنه أتى بأسلوب علمي وقرر أن هناك بعض الآيات في كتاب الله هي حكاية لكلام غيره ولكنه تكلم على لسان ذلك الغير في كتابه لحكم متنوعة, والسياق والتفسير الصحيح يبين كون هذا الكلام ورد على لسان نبي أو صالح مثلا فيجب أن نقتدي بمضامينه, أو ورد على لسان فاجر فنبتعد عن مضامينه لأنه سيق للتحذير منها, وليس كونها من كلام الله منزلة في كتابه يعني دائما أنها سيقت لتقرير مضامينها حتى يضطر الكاتب لأن يسلك هذا الطريق الموحش الملتوي ليعرض بعقيدة (القرآن منزل غير مخلوق) , ويجعل اعتقادات مخالفيه قراءة أيديولوجية نتجت عن هذه المقولة
ولكن الكاتب لو لجأ لذلك لوجد القواعد العلمية تأبى تأويلاته في كثير من الأحيان, وتأيد مخالفيه في المقابل, فلذا لم يلجأ لهذا الطريق الذي قد لا يفيده, ولجأ لطريق آخر موحش يتضمن اتهام عقيدة (القرآن منزل غير مخلوق) بأنها كانت سببا في التفسير الأيدولوجي المزعوم.
إحدى عشر: بدأ الكاتب بعد تأسيس فكرته في المقال بمهاجمة مخالفيه ورميهم بالانحراف في كيفية قراءة القرآن, متعرضا لقضية معروفة يدندن حولها العلمانيين والعصرانيين, وهي قضية المرأة, ليربط ما قرره في المقال من فكرة (محاور النص القرآني) بخلافه مع خصومه. ويبين الكاتب ما يعتقد أنه نقطة الخطأ عند مخالفيه بأنها"قراءة النصوص على أنها من كلام الله"وهذا انحراف طبيعي في توصيف الكاتب للمسألة انبنى على انحرافه في أساس فكرته, حين توهم أن هناك تنافيا بين تكلم الله على لسان الغائب لحكمة من الحكم وبين أن يكون ذلك الكلام متضمنا لما يخالف حكم الله.
ويرى الكاتب أن هذه القراءة مهدت الطريق"أمام"شرعنة"كثير من مظاهر الظلم والإجحاف - خاصة فيما يتعلق بالمرأة - كما"شرعَّت"للتفاوت الاجتماعي بين الناس على اعتبار أنه مراد لله تعالى", وهنا نقف مع الكاتب الوقفات التالية:
(يُتْبَعُ)