الوقفة الأولى: لو سلمنا أن ما يدين الله به مخالفيك من أمور تتعلق بالمرأة هي من مظاهر الظلم والإجحاف, فلا نسلم لك أن هذا بسبب اعتقاد أن بعض الآيات هي من كلام الله, لأن مخالفيك يعلمون أن بعض الآيات التي هي من كلام الله تكون على لسان غائب متكلم عنه وتتضمن ما يخالف أحكام الله, وذلك كقوله تعالى على لسان فرعون: {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} , ولا يجعلون مجرد وجودها في القرآن وكون الله تكلم بها دليلا على أنها تتضمن اعتقادات وتصرفات صحيحة دون النظر إلى السياق الذي قد يدل على أن الله تكلم بها على لسان غائب متكلم عنه, وإلا كانت المقولات الكفرية التي حكاها الله عن اليهود والنصارى عندهم صحيحة كذلك!!
الوقفة الثانية: إذا تقرر أن مخالفيك لا إشكال عندهم في كون بعض الآيات تكلم بها الله على لسان غائبين متكلم عنهم تحمل مضامين تخالف أحكام الله, قصها الله لنتعظ ونعتبر, فليكن تعاملك مع ما يستدل به مخالفيك من الآيات - التي سيقت على لسان المتكلم الغائب - على أساس أنها من كلام الله, ثم ناقشهم في كونها سيقت لنعتقدها أو لمقصد آخر, وليكن هذا هو ميدان الخلاف باستعمال السياق وقواعد اللغة والتفسير العلمية الصحيحة لتحديد المقصود من الكلام, وهي ذات القواعد التي انطلق منها الصحابة والتابعون الأوائل الذين تقر في بداية مقالك أنهم كانوا أصحاب منهجية صحيحة. وعلى هذا يجب أن تقر بأن (كلام الله منزل غير مخلوقة) وأن هذا اعتقاد صحيح لا إشكال فيه, وتكف عن الربط المتعسف بين ما ترى أنها قراءة أيديولوجية لمخالفيك - لو سلمنا بصحة هذا الإطلاق - وبين هذه العقيدة الصحيحة التي دل عليها القرآن وأجمع عليها السلف.
ويحضرني هنا قول الكاتب في أول المقال عن أوائل التابعين أنهم كانوا يقرئون القرآن"بعيدا عن إسقاط الرغبات الأيديولوجية على القرآن", وأحب أن أعلق قائلا: فلنقتد بهم إذا في ذلك ونبتعد عن إسقاط الرغبات الإيدولوجية حتى لو كانت رغبات أتت من أيدولوجيات دخيلة وانهزام فكري أمام الغرب وتطويع للدين ليوافق الإيديولوجيات العصرية المخالفة له تحت ذريعة معيار (موائمة مستجدات العصر) !!
إثنى عشر: ما يزعمه الكاتب من أن مخالفيه مع انحرافهم في شرعنة الظلم وقعوا في"تجريد النصوص التي هي من كلام الله تعالى وحده، من سياقاتها المختلفة، والتي لا ينتصب لها المعنى إلا بمراعاتها، وكل ذلك، إما بذريعة أن الكل كلام الله تعالى، وإما انسياقًا مع مصطلح (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"وهذا لا يسلم للكاتب كما سبق, بل مخالفيه إذا جاءوا لقوله تعالى: {وليس الذكر كالأنثى} وضعوها في سياقها الصحيح على أنها من كلام الله على لسان امرأة عمران, ولكنهم فهموا من السياق ومن قواعد الشرع ونصوصه الأخرى أن هذا الكلام سيق على سبيل التقرير, لأن الذكر والأنثى يختلفون في أمور كثيرة لا تنكر كالخلقة مثلا, ومن قال منهم أن ذلك من كلام الله فليس لأنه ينكر أن الله يتكلم على لسان الغائب المتكلم عنه, ولكن لأنهم رأوا أن السياق يرجح أن ذلك من كلام الله وليس من كلامه على لسان امرأة عمران, ولا مانع من هذا الرأي والذهاب إليه من هؤلاء العلماء ما داموا قد اجتهدوا وفق نظر علمي في سياق الآيات, وليس في ذلك الكلام ما يخالف الشرع وقواعده أصلا كما هو معلوم.
وهل رأى الكاتب, الذي اتهم مخالفيه بتجريد النصوص من سياقاتها و أنهم انساقوا مع"مصطلح" (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) , هل رآهم قالوا بكفريات اليهود والنصارى كقوله تعالى على لسانهم {الله ثالث ثلاثة} و {الله هو المسيح بن مريم} و {يد الله مغلولة} ؟!!
وإن أولى الناس بتهمة تجريد النصوص من سياقها هم العصرانيون أصحاب التأويلات العجيبة المشهورة التعسفية التي يريدون بها موائمة مستجدات العصر المزعومة!
خاتمة:
وأكتفي بما سبق لبيان خطورة ما في هذا المقال وأبعاده التي يرمي إليها - هو ومن يشجع فكره من وسائل الإعلام - حسب ما فهمت من خلال القراءة المتأنية والتأمل, ولا حاجة لي في الدخول في تفاصيل الأمثلة التي ذكرها الكاتب لسببين: أنها كما أسلفت يجب أن تناقش من كافة الأطراف على أساس قواعد التفسير العلمية للنص, ولا نقبل التشكيك في أن (القرآن كلام الله منزل غير مخلوق) , وذلك النقاش مجال آخر لا تنتهي أمثلته, كما أن غيري ممن ناقش مقال أبا الخيل هذا تعرض لمناقشة هذه التفاصيل, وإنما كان مقصودي إبراز الجانب الخطير في هذا المقال والفكر الذي يؤسس له, وما يهمني هو بيان أصل ذلك الفكر التي ابتدعه الكاتب في مقاله الخطير هذا, وللتوعية بخطورة هذه المقالات التي تقرأ أحيانا بطريقة سطحية تكتفي بمناقشة الأمثلة والجزئيات دون أصل الفكرة الذي غالبا ما يكون بمثابة السرطان بجانب الإنفلونزا (طبعا لا أقصد إنفلونزا الطيور فهي خطيرة جدا!!!)
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أبو فاطمة الحسني
26 ذو القعدة 1428 هـ
(يُتْبَعُ)