فهرس الكتاب

الصفحة 5070 من 28557

أما الزاوية الثانية في مثلث الضروريات الدعوية فهي"الفساد المدني".. ومنبعها تلك الطغم السياسية العربية المستبدة التي سطت على حق الأمة في التولية, والرقابة, والعزل, والادارة .. والتهمت معايشها وتركتها تلهث في دوامة العمل اليومي المضني فلاهي بلغت كفافها ولاهي ماتت فاستراحت ..

تلك النخب السياسية العربية التي أهانت كرامة الفرد المسلم وجعلته يستمرئ أن يتنفس لغة المديح والخنوع, ودرَّسته كيف يستجدي على أبواب الجامعات وتحت سرر المستشفيات وأمام طابور القروض السكنية ..

ومن المهم أن نشير إلى أن من أهم العوائق التي حالت بين كثير من الأخيار وبين التصدي لـ"العمل السياسي الشرعي"هو أنهم حصروا العمل السياسي الشرعي في"جبهة المواجهة".. والمواجهة تفضي غالبًا إلى الصدام الذي قد يتسبب في مفاسد دينية أعظم, ويستتبع إرهاقات تبيد همة المواصلة ..

والواقع أن"العمل السياسي الشرعي"أوسع من ذلك بكثير .. فالتصدي لمصالح المسلمين المدنية كهدر المال العام وأزمة الاسكان والرعاية الصحية وحق التعليم الجامعي واختناقات الطرق وكارثة الأسهم والبطالة المتنامية وغيرها لاتحتاج إلى لغة حرب .. بقدر ماتحتاج إلى تخصص ومأسسة ولغة توعية مستمرة ومنظمة ..

مقاومة"التأويل الديني"تنتمي إلى باب العقيدة

ومقاومة"الفساد المدني"تنتمي الى باب السياسة الشرعية.

ذلك أن المثقفين العرب يفسدون أديان الناس ..

وهؤلاء الساسة العرب يفسدون دنيا الناس ..

وقناعتي الشخصية أن"التأويل الديني"يحتل مرتبة الخطر رقم (1) اليوم ..

وبعض الطيبين يزهِّد كثيرًا في مقاومة"التأويل الديني"حيث يتوهم أن ظاهرة"التأويل الديني"هي انعكاس مباشر لواقع"الفساد المدني"..

بمعنى أن التأويل والعلمنة كلاهما مجرد"إجابة"على إشكالية التخلف.

ويكرر أصحاب هذه الرؤية هذا المبدأ: أصلحوا الحياة المدنية للمسلمين وسينتهي حينها التأويل والعلمنة ..

والواقع أن هذا تصور غير علمي للواقع والتاريخ ..

فالتأويل الديني ليس إجابة على إشكالية التخلف أصلًا, وإنما التأويل الديني في الحقيقة هو"منفذ متاح"للتهرب من عبء المرجعية الشرعية, والتخلص من سيادة الدين.

ولذلك تفشى"التأويل الديني"في ألمع لحظات التألق الحضاري في تاريخ المسلمين!

ولو كان التأويل الديني مجرد انعكاس لإشكالية التخلف لما وجد التأويل الديني في تلك اللحظات الزاهية!

تاريخيًا .. تسرطن"التأويل الديني"في عصر الامبراطورية الاسلامية وبين معاهد العلوم والفلك والعمارة!

بل إن أغلظ مراحل الزندقة وهي"النفاق"إنما ظهر في"عصر النبوة"ذاته في المدينة, أي بعد انتصار المسلمين وخضوع جزيرة العرب!

هذا يعني أن"التأويل والعلمنة"ليسا مجرد إجابة على سؤال التخلف ..

بل التأويل الديني هو شكل من الاشكال الثقافية التي تختفي فيها الأهواء المتضايقة من قيود الشريعة .. والمتبرمة بمرجعية الوحي ..

هذه هي الحقيقة ..

أما ارتباطها باشكالية التخلف فهو مجرد"مبرر"تحتمي وراءه!

الحقيقة بلا رتوش .. هي أن أقلام"التأويل الديني"تستغل التخلف لتبرير طروحاتها, لاأنها تحاول الاجابة عنه!

كما أن كثيرًا من الكتاب الليبراليين اليوم يستغلون"الارهاب"لتبرير طروحاتهم, أكثر من كونهم يحاولون الاجابة عنه!

بمعنى لو أن المجتمع المسلم اليوم قفز الى الازدهار المدني وأصبح الناس يعيشون في مجتمع متطور فستبقى تلك الأقلام تلوك اشكالياتها .. تشكك في صحة السنة النبوية, وتندد بمرجعية النص الجزئي, وتنتقص أحكام المرأة"الحجاب والقوامة والدية والتعدد", وترفض الحدود والجلد, وتدافع عن الفوائد الربوية, وتستخف بمفهوم الولاء والبراء, الخ

لو كانت تلك الأقلام صادقة في البحث عن"النهضة"لرأينا جهدها الأبرز ينصب مباشرة في حقل الحياة المدنية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا .. لكن جهدها الأبرز والغ في"إعادة تأويل الاسلام"..

وبعض الأفاضل يتساهل كثيرًا في مقاومة ظواهر التأويل الديني بحجة أنها مجرد"إشكاليات نخب ثقافية"!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت