فهرس الكتاب

الصفحة 5077 من 28557

"لا إله إلا الله"كلمةٌ عظيمة لا تنفَع قائلها إلا حين يعرِف مدلولها نفيًا وإثباتًا، ويعتقِد ذلك ويعمَل به،"لا إله إلا الله"كلمةٌ تقتضي إثباتَ العبادة وإخلاصَها لله وحدَه واجتنابَ عِبادة ما سواه ونفيَ جميع أنواع العبادةِ عن كلِّ من سوى الله، على حدِّ قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} حصر وقصر، فإياك نعبد دون ما سواك، وإياك نستعين دون ما سواك.

"لا إله إلا الله"توحيدٌ خالِص يرتفع به الإنسانُ عن أوحال الذل للمخلوق، فيسمو به إلى مرتبة العبودية الخالصة للخالق: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} .

"لا إله إلا الله"مقتضاها البراءةُ الكاملة من عبادةِ كلِّ ما سواه من الشفعاءِ والأنداد، ولو كانوا ملائكةً مقربين أو أنبياءَ مرسَلين {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} .

"لا إله إلا الله"تتضمَّن الإقبالَ على اللهِ وحدَه خُضوعًا وتذلُّلًا، إنابَة وتوكُّلًا، دعاءً وطلبًا، رغبًا ورهبًا، رجاءً وخوفًا. فأهل"لا إله إلا الله"لا يصرِفونَ شيئًا مِن العِبادة والتديُّن لغير الله، فهم لا يسأَلون إلاّ الله، ولا يدعُون إلا إيّاه، ولا يتوكَّلون إلا عليه، ولا يرجُون غيرَه، ولا يذبحونَ ولا ينذُرون إلاّ له، ولا يَرجون كشفَ ضرٍّ ولا جَلبَ نَفعٍ إلاّ منه وحدَه، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} .

"لا إله إلا الله"من شروطها العلم بمعناها، يعلَم علمًا جَازمًا أنه لا معبودَ حقٌّ إلا إلهٌ واحد هو الله جلّ وعلا لا شريك له. فربُّنا جلّ وعلا يقول: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} ، ونبيُّنا محمّد ? يقول فيما رواه مسلم: (مَن ماتَ وهو يعلَم أن لا إلهَ إلا الله دخل الجنة) .

"لا إله إلا الله"من شروطِها أن يكونَ قائلُها موقِنًا بها يقِينًا جازمًا لا شكَّ فيه ولا ريب، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} ، وسيِّد الخلقِ صلوات الله وسلامُه عليه يقول: (أشهد أن لا إلهَ إلا الله وإني رسولُ الله، لا يلقَى الله بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلا دخَلَ الجنّةَ) .

"لا إله إلا الله"مِن شروطها الإخلاصُ المنافي للشّرك والرّياءِ؛ بتصفيَةِ الأعمال والأقوال والأفعالِ وتَنقيَتها من جميعِ الشوائبِ الظاهرة والباطنَةِ، في صحيح البخاري أن سيد الخلق ? قال: (أسعَد الناسِ بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) .

"لا إله إلا الله"من شروطِها الصدقُ فيها باللسان والقلبِ والعمل، ففي الصحيحَين عن إمام الموحِّدين صلوات الله وسلامُه عليه أنه قال: (ما مِن أحدٍ يشهد أن لا إلهَ إلا الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله صادقًا من قلبِه إلاّ حرّمه الله على النار) .

"لا إله إلا الله"من شروطها المحبّة الكاملة لله ولرسوله ? والمحبّةُ لدينه وشرعِه، {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} ."لا إله إلا الله"مِن شروطها القَبولُ الكامِل لهذه الكلمة، قبولًا تامًّا بالقلب واللسان، مع الانقياد والقيام بشرعِ الله والإذعان لحكمه والتسليمِ الكامل لذلك، {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ، وأقسم سبحانه وتعالى بنفسه أنه لا يؤمن المرء حتى ينقاد لحكم الله وحكم رسوله ?: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيمًا} .

معاشرَ المسلمين، تمرُّ بدين الإسلام أزَماتٌ حادّة وفِتَنٌ مدلهِمّة وبلايا كبرَى ونكباتٌ شتى قديمًا وحديثًا، وما يحلُّ بنا من نكَبات، وما نراه من تسلط بعض المسلمين على الثوابت والمسلمات تجريحًا وتشويهًا وكذبًا وافتراءً، ما هو إلا ابتلاء ومنه عقوبات، فربُّنا جلّ وعلا يقول: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} ، ويقول جلّ وعلا {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} .

فأهل"لا إلهَ إلا الله"لا تزيدُهم الابتلاءَاتُ والفِتَن، لا تزيدهم هذه المقالات السيئة إلاّ إيمانًا صادقًا باللهِ وتَصديقًا محقَّقًا برسول الله وثَباتًا على الحقّ عقيدةً وسلوكًا ونِظامَ حياة، فربُّنا جلّ وعلا يقول: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} ، ويقول جلّ وعلا {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} .

أهل"لا إلهَ إلا الله"أهلُ إنابة وتوبة، لا تمر بهم الأحداث سدى بل يراجعون أنفسهم وينظرون في أعمالهم، ويتوبون إلى ربهم، ويكثرون من الاستغفار وطلب الرحمة من الجبار.

أهل"لا إلهَ إلا الله"ينقادون لشرع الله تعالى لا تحركهم العواطف ولا تموج بهم الشعارات الزائفة الماكرة، قال الله تعالى مخاطبًا نبيه ? {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

فاتَّقوا الله عباد الله، والتزِموا بتحقيق"لا إله إلا الله"، وعظِّموا فروضَها، والتزموا بشروطها؛ تسلَموا وتفوزا وتغنَموا دنيًا وأُخرى.

انتهت خطبة الشيخ جزاه الله خيرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت