خامسا: استمداده: يستمد علم العقيدة من الكتاب والسنة فهما مصدري العقيدة فلا أحدَ أعلمُ بالله وما يجب له و ما ينزه عنه من الله، ولا أحد بعد الله أعلمُ بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان منهج السلف الصالح ومن تبعهم في تلقِّي العقيدة مقصورًا على الكتاب والسنة. أما الإجماع والقياس فهما يظهران الحكم العقدي وليسا مصدرين للحكم العقدي وعلم العقيدة يفهم بفهم السلف،و السلف هم صدر هذه الأمة من الصحابة و التابعين و أئمة الهدى في القرون الثلاثة المفضلة، و يطلق على كل من اقتدى بهؤلاء و سار على نهجهم في سائرالعصور: (( سلفي ) )نسبةً إليهم و قد كان يطلق عليهم في البداية (( أهل السنة ) )لما كانوا هم المتبعين لسنة رسول الله r، المقتفين للأثر، فسموا: (( أهل الأثر ) )و (( أهل الحديث (( ثم لما إنتشرت البدع صار يطلق عليهم (( أهل السنة و الجماعة ) )و هم من كان على مثل ما كان عليه النبي r و أصحابه، و سموا أهل السنةلاستمساكهم و اتباعهم لسنة النبي r و سموا الجماعة لأنهم الذين اجتمعوا على الحق و لم يتفرقوا في الدين و اجتمعوا على أئمة الحق و لم يخرجوا عليهم و اتبعوا ما أجمع عليه سلف الأمةلما صار من المبتدعة من ينسب نفسه إلى هذا اللقب الشريف كان لزامًا أن يمتازوا عنغيرهم و من هنا نشأ مصطلح (( السلفية ) )نسبةً إلى سلف هذه الأمة من أهل الصدر الأول،و من اتبعهم بإحسان. سادسا: نسبة علم العقيدة للعلوم الأخرى: مرتبة علم العقيدة من العلوم الأخرى أنه من العلوم الشرعية،و إذا نظرنا من جهة أن العلوم تبنى على الإعتقاد الصحيح لقنا أن علم الإعتقاد هو أصل العلوم.
سابعا: الواضع لعلم العقيدة: واضع هذا العلم نقصد من نقله وفصله، ولا يقصد به الذي أنتجه وأبدعه؛ لأن هذه الأحكام الفقهية جاءت من عند الله في القرآن، فالله سبحانه وتعالى هو الذي علمنا إياها، أي أن علم العقيدة ليس علم اصطلاحي بل هو علم نقلي و علم نصي واضعه هو الله سبحانه وتعالى لكن المقصود من واضع العلم من فصله وأخرجه عن غيره من العلوم أي المقصود أول من دونه، ولابد أن نفرق بين تدوين العلم وبين جود العلم فالعلم موجود في أذهان العلماء، وقد يدون، وقد لا يدون، والتدوين يكشف عن وجود العلم لا موجد العلم،والعقيدة الإسلامية موجودة منذ وجود الإسلام،وأول من دونها اختلف فيه فمنهم من قال أبو حنيفة (150هـ) ،ونسب إليه كتاب الفقه الأكبر لكن لم يثبت بالأسانيد المتصلة إليه،والبعض يقول أبو الحسن الأشعري فقد اشتهر بأنه أول من دون هذا العلم؛ لأنه جمع مذاهب الفرق المختلفة في مجالات العقيدة فيكتاب له سماه (مقالات الإسلاميين) لكن أبي الحسن الأشعري لم يكن السابق في التأليف في هذا العلم، بل سبقه عدد من الناس لكنهم لم يعتنوا بجوانب علم العقيدة.
ثامنا: فضل العقيدة: أخوتاه العقيدة أهم علوم الدين علي الإطلاق فالعقيدة أهم من الأخلاق،والعقيدة أهم من الآداب،والعقيدة أهم من العبادات، العقيدة أهم من المعاملات، فهي أول واجب على المكلف فعند دخول الشخص الإسلام يجب عليه معرفة التوحيد قبل تعلم العبادات لما بعث النبي r معاذًا إلى نحو أهل اليمن قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات» [5] و العقيدة أشرف العلوم وأعظمها وأعلاها؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم في هذا العلم هو الله، ومنزلة العلم تقدّر بحاجة الناس إليه، وبما يحصل لصاحبه من الانتفاع به في الدنيا والآخرة، وحاجة العباد إلى علم العقيدة فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم، ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها و معبودها بأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يجب له وما ينزه عنه، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه. وكلما كانت معرفة العبد بربه صحيحة تامة كلما كان أكثر تعظيمًا واتباعًا لشرع الله وأحكامه، وأكثر تقديرًا للدار الآخرة. والعقيدة أساس دعوة الأنبياء كما قال تعالى على لسان كل نبيٍ يرسله إلى قومه: ? يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ? [6] و العقيدة ضرورة من ضروريات الإنسان التي لا غنى له عنها فالإنسان بحسب فطرته
(يُتْبَعُ)