فهرس الكتاب

الصفحة 5579 من 28557

الإشكال إذن إشكال الوجود؛ وجود المثير/ وجود التجربة.

لهذا نجد أن الشريعة الإسلامية حريصة كل الحرص:

? على استئصال الشر من جذوره الأولى؛

? على تحريم كل ما يؤدي إلى الفساد؛ وتوسيع الدائرة التحريمية لتشمل ما يمكن أن يكون سببا للوقوع في المحذور. من أمثلة ذلك: تحريم الخمر، فإن التحريم شمل شرذمة كثيرة من شارب وعاصر وبائع ومتوسط وناظر وعامل ... بلغت الدائرة التحريمية عشرة.

وبالمقابل وسعت الدائرة المصلحية فاستقبلت ورحبت بالسلوكات والأفعال والأقوال والمشاعر والوسائل ... التي تؤدي إلى المصلحة إما مباشرة أو بالواسطة. إنها، على سبيل المثال، وسعت دائرة الجوار لتشمل الجار القريب والبعيد والصاحب بالجنب، ووسعتها كذلك لتشمل الذين يبعدون عنك بسبعين دار أو خمسينا دارا، كما ورد ذلك في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. كما أعطت الأولوية للأخوة العقدية، لتشمل كل من يشهد بالله ربا وبالرسول محمد صلى الله عليه وسلم نبيا رسولا للعالمين، ويلتزم الإسلام شريعة وعقيدة.

وجود التجربة / وجود شيء ا سمه السجائر مثلا/ بمثابة سلطة قوية مرهبة مهددة. ويزداد التأثير ويتضاعف المفعول إذا سيقت التجربة في سياقات إشهارية احتفالية. فيزداد الإقبال ويشتد التهافت نحوها، وكلما كثر المقبلون عليها تضخمت السلطة وكانت قوتها الضاغطة كبيرة.

لا يتخلص من هذه السلطة إلاَّ القلة القليلة من الذين طُعِّموا بمضادَّات حيوية فعالةٍ أو طَعَّموا ذواتهم من الخطر بالإيمان والوعي.

إن لي من اليقين ما يكفي للقول: إن سلطة المجتمع أعظم السُّلط، فهو يصنع ويبني ويهدم من خلال أقطاب معينين تجمعهم فلسفة واحدة- وإن كانوا يختلفون في جزئيات كثيرة، ومع ذلك فأبوهم واحد- يقودون القطيع إلى المراعي التي يرغبون ليحققوا المرامي التي يريدون.

لا يجب أن يفهم من كلامي ذا أن الإقلاع عن التدخين مستحيل أو بعيد المنال. يمكن أن يتحقق ذلك بالإيمان القوي والرغبة الكلية النابعة من أحبار المجتمع ومن صانعي العقول؛ أن يصدر ذلك منهم لا على سبيل الهزل والتملص الذي يضمر في طياته الأبعاد المصلحية المادية قريبة المدى؛ بل على سبيل الحقيقة التي ألفناها كبيرة الوقع على القلوب.

إن خير الكلام الفعل ولو قلَّ؛ الفعل أولا والقول ثانيا. ومثقال فعل خير من القناطير المقنطرة من الأقوال. كيف يمكن أن نقنع بمخاطر التدخين ونحن نروج له ونربح منه ونعقد عليه آمالنا واقتصادنا ونسمح بالترويج له في أشكال كلها إثارة واستقطاب؟؟؟

خضت في بحور التربية باحثا عن ذُرَرِها فوجدتها أخيرا أمرين:

أ) تكْرار وإيلاف: بعودك إلى نفسك تجد أن وضعك الحالي نتاج تكرار، إذ يترسب ما كررته في كيانك فيصبح إيلافًا. فتفعل/ تقول/ تشعر على نحو ما ترسب/ تقرر.

ب) قدوة: كلنا يتصرف انطلاقا من نموذج مرسوم في كيانه. والاختلافات آيلة إلى اختلاف النماذج.

فصل

ليس من السهل التغلب على سلطة التجربة، وأقصد بها سلطة وجود شيء معين أو فكرة أو تصور أو نوع من الشعور ... إن وجوده يقتضي تطبيقه وفعله، إن آجلا أو عاجلا. وأميل إلى أنه في غالب الأحيان يكون عاجلا، بصرف النظر عن نوعية المثير أو الإثارة. فقد يخطر ببال أحدهم، يعاني من مشاكل عائلية، أو أزمات نفسية لها علاقة بالقروض ... أن ينتحر انحارا جديدا، لم يك متداولا من قبل، بل استقاه من تجارب الانتحاريين الجدد ... ولا يهم هنا الوضع المادي، فسلطة التجربة تهزم العنصر المادي. فكما ينتحر الفقراء ينتحر كذلك الأغنياء.

أما الأسباب الكامنة وراء الفعل أي فعل؛ الانتحار، اللعب، ركوب الخيل، السباحة، التسلق، فآيلة بالأساس إلى سلطة التجربة. هي بؤرة التوتر. وهي العلة الأولى للفعل. فسبب اللعب وجوده، وسبب الزواج وجوده، وسبب الانتحار، بصورة معينة، وجودها، وسبب الإرهاب وجوده، فالتجربة تحدد مسارات الأفعال وتوجهها. هناك مثيرات أخرى تدعو إلى الفعل، لكنها تقع في الدرجة الثانية بعد سلطة التجربة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت