وسبحان من ألف بين الضب والنون في معركة المقدسات هذه، حيث قامت الحداثة النيشانية تدافع عن الخرافة الياسينة، وتلعن خصومها، وترميهم بالخيانة والعمالة لأجهزة المخابرات، وهي التي كانت بالأمس تتندر وتهزأ بما نُشر في موقع هؤلاء الصامتين تجاه هذه الفِعلة المريبة (1) ، التي ما نراها إلا صنيعة شر شنيعة، يطرب لها الصهاينة وغلاة الشيعة. وما نرى إلا أن القوم افتضحوا فاصطلحوا، فبئس القرين!!.
أما رمي المخالفين بهذه التهمة فهو أهون سلاح في أيدي العاجزين عن الرد بعلم، والتبصر في الحقائق بأناة وحلم، وهو ما لجأت إليه جماعة العدل والإحسان من قبل، وقد جرت على ذلك منذ زمن بعيد، في انتحال هذه الأساليب في معاملة المخالفين، باتهام كل معترض، ورمي كل منتقد بالخيانة والعمالة للنظام، أو اتهامه في دينه وعرضه إن لم يُسعف الحال.
ثم جاءت اليوم مجلة نيشان لتكمل المشوار، وتشرع في محاكمة سياسية لأرباب الدار، ممن تراهم مجرد دُمى متحركة في أيدي أصحاب القرار. وتتساءل عن مصادر تمويل موقع الخرافة، وطباعة الكتب، ونشر الأشرطة. مع أن كلفة كل هذا لا تتجاوز ثلث ما تنفقه مجلة نيشان في إخراج عدد واحد قشيب، أو عُشر معشار ما أنفقته جماعة العدل والإحسان في استجمام شيخها الطبيب، ومرشدها الحبيب، في منتجعه الرحيب، فضلا عما تقاضاه من الشريف بين الويدان من عُلالة وصُبابة الجيب.
فلم يتجاوز ما أنفقناه في إعداد الشريطين وطبع الكتاب أجرة كراء شهر واحد للإقامة الياسينية الفارهة بدار السلام، دفعناها من حُر أموالنا الشخصية، ولم نتقاض ولله الحمد والمنة من أحد مليما على شيء، ومن كان عنده غير ذلك فليرفع للصحافة صك الاتهام، مع دليله بالحجة والبرهان.
والأمر بسيط ياسادة، وهو أننا ولافخر قوم نشأنا في أسر العفة والقناعة، ورُبينا في محاضن الدعوة الإسلامية التي تعلمنا في مجالسها كيف نحتسب عملنا لله، ولا نمد أيدينا لغيره سبحانه، ولسان حالنا ينشد قول القائل:
نضْحُ بَحرين بغِربالَين ... وحفرُ بِئرين بإبرتين
وكنس أرض الحجاز في ... يوم شديد الهوا بريشتين
وغسل عبدين أسودين ... حتى يصيرا كأبيضين
ولا أقف بباب غيرباب ... الله ينضُب فيه ماء عيني
والفرق بيننا وبين خصومنا الحداثيين أننا قوم نتحرك غيرة لدين الله، والقوم لا يعملون إلا بدرهم ودينار، ولا يتحركون إلا إذا أزَّتهم دوائر الخطط السياسية أزًا، وكل يعمل على شاكلته.
وقد كان ذلك منذ الهجمة العلمانية في جريدة الأحداث المغربية على السنة النبوية مع بداية عام 2000م، في معركتنا مع خديجة البطار، وصنوها في الخزي والعار صاحب كتاب «أكثر أبو هريرة» ، بعد غزو كتب الشيعة للمغرب في معرض الكتاب، على مرأى ومسمع من كل المراقبين والخصوم الذين لم يحرك أحد منهم يومئذ ساكنا. فكتبنا مقالات وأصدرنا كتبا، منها «التشيع والعلمانية بالمغرب، وفتح الباري في الرد على المفترية على صحيح البخاري، والسهام الكاسرة لشبهات بوهندي الخاسرة» وحاضرنا في أندية وجامعات بعروض موثقة بالصوت والصورة تحذر الشباب المغربي من مغبة فكر الرافضة.
فلم تُحركنا حسابات سياسية، ولا نُصبٌ انتخابية، ولا أردنا بعملنا علوا في الأرض ولا فسادا، بل تعرضنا إثر ذلك بإيعاز وتحريض من المغرضين إلى مضايقات أمنية، وهجمة يسارية في الجامعة وخارجها لمحاصرة نشاطنا في الدعوة والبحث العلمي.
وقد سار أصحاب نيشان في هذا الصدد على نفس خطة العدل والإحسان، يرومون بالتلويح والرمي بالعمالة، والتساؤل عن علاقة هذه العُصبة القليلة العدد والعدة بأجهزة المخابرات، ليصرفوا الناس عن التضامن مع قضيتها الكبرى وهي الدفاع عن المقدسات الإسلامية، ونبذ الخرافة من مسار التفكير والتنظير في العمل الإسلامي الراشد. والله تعالى يقول «وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا» «سورة النساء: 111 - 112» .
(يُتْبَعُ)