فهرس الكتاب

الصفحة 6458 من 28557

و أتمّم كلامه يقول: «فلو فرضنا أن إنسانًا ما اقتنع بأن اللحم البلغاري فطيسة .. حكمها فطيسة؛ لأنها تقتل و لا تذبح، لا نستطيع أن نقنع الناس بكل رأي؛ لأن الناس لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك -كما جاء في القرآن الكريم-، فإذا كنّا لانستطيع أن نقنع الناس بأنّ هذه اللحوم التي تأتينا من بلغاريا هي حكمها كالميتة، لكن ألا يعلمون أن هؤلاء البلغار يذبحون إخواننا المسلمين هناك، أمّا يكفي هذا الطغيان و هذا الاعتداء الأليم على إخواننا من المسلمين هناك أن يصرفنا عن اللحم البلغاري ولو كان حلالًا، هذا يكفي، وهذه ذكرى و الذكرى تنفع المؤمنين» انتهى كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- بحروفه.

فالمقاطعة معقولة المعنى، و ليست أمر توقيفي، و هي نوع من أنواع العقوبة، و يُعجبني كلام الإمام ابن القيّم، يقول ابن القيّم في «الزاد» : «و حَكَمَ -صلى الله عليه و سلّم- بأنّ من أغلق بابه، أو دخل دار أبو سفيان، أو دخل المسجد، أو وضع السلاح فهو آمن، و حَكَمَ بقتل ستّةٍ منهم -و سمّاهم-» ، ثمّ قال: «و لا ريب أنّ المحاربةَ بسبّ نبينا أعظم إذايةً و نكايةً من المحاربةِ باليد، و منع دينار جزية في السنة، فكيف ينقض عهده، و يقتل بذلك دون السبّ» ، يعني: الكتابي إذا ما أعطانا الجزية نقض عهده، و السب، يقول: «و أيُّ نسبة لمفسدةِ مَنْعَهُ دينارًا في السنّة إلى مفسدةِ مجاهرته بسبّ نبينا أقبح سب على رؤوس الأشهاد، بل لا نسبة لمفسدةِ محاربته باليد، إلى مفسدته بمحاربته بالسب» ، فأولى من انتقض به العهد و أمان أهل الكتاب سبُّ رسول الله -صلى الله عليه و سلّم-، يقول: «و لا ينتقض عهده بشيءٍ أعظم منه إلا سبُّ الخالق -سبحانه-، فهذا محض القياس، و مقتضى النصوص، و إجماع الخلفاء الراشدين -رضي الله تعالى عنهم-» ، يقول: «و على هذه المسألة أكثر من أربعين دليلًا» .

فإذًا سابُّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في عقوبته في الدنيا أعظم من سبّ الربّ -عزَّ وجل-، و ذكر الإمام ابن القيّم اعتراضًا، و سبقه إليه شيخه ابن تيمية في «الصارم المسلول» ، ذكروا اعتراضًا في أنّ النبيَّ كان يُؤذى و كان يسكت، و ما كان يُقيم الحد، فوجَّه الشيخان الجليلان، و الإمامان الربّانيان، وجها لذلك بأنّ هذا من حقّه، و أنّ الأمر في حياته يخصُّ ذاته، و له أن يُسقطه، أمّا أولياء الأمور بعده فلا يجوز لهم التساهل في حقّ من سبّ النبيَّ -صلى الله عليه و سلّم- حتى و لو جاء تائبًا، و لذا الذي يسبُّ الرب يستتاب، لعله غفل، لعلَّ الإيمان قد ضَعُفَ، لم يرضى بقدر الله، أمّا الذي يسبّ النبيّ -صلى الله عليه و سلّم- فلا يُستتاب، و إن تاب لا تُقبل توبته، و ربنا يقول: {فإن طعنوا في دينكم} فجعل جواب الشرط بقوله: {فقاتلوا أئمة الكفر} ، فجعل الذي يطعن في النبيّ و يطعن في الدين إمامًا من أئمة الكفر.

قد يقول قائل: هذا حال رسام أو اثنين، أو أربعة، أو عشرة ممن يرسمون الكاريكاتير، ما هو ذنب سائر الناس؟

الجواب: أنّ استفتاءًا حصل رسميًا في الدانمارك، و نسبة 76% من الشعب ممن قال: هذه حريّة شخصيّة، و عجبي لا ينتهي من هذه الحريّات، هم يفعلون ما شاءوا باسم الحريّة، و نحن ليس لنا حريّة أن نترك شراء بعض الأشياء، هذا أمر عجيب، و أن يجبر علينا أن نقطع هذه المقاطعة، لكن يبقى؛ هل المقاطعة شرعيّة، فإذا ترتّب عليه أنّ هؤلاء القوم يتركون أو يتراجعون، أو ينقصون فيبقى الحكم على تأصيل ابن القيّم على الوجوب، و لكن هذا الوجوب يحتاج لتقدير من قبل أولي الأمر، و لذا علّق بفتوى هيئة كبار العلماء، و كذلك الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- الوجوب على إذن أولياء الأمور، و الآن و لله الحمد و المنّة أكثر من صوت على مستوى أكثر من دولة في أكثر من مسؤولي الدول -بفضل الله تعالى- أبدوا حبًا لدينهم و لنبيهم -صلى الله عليه و سلّم-، و كرهًا و بغضًا لهذه الفعلة الشنيعة.

قد يقول قائل: أليست هذه المقاطعة كالمقاطعات التي قبلها؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت