فهرس الكتاب

الصفحة 6487 من 28557

أما بعد، فقد طرحت مسألة الفرق بين الوصف والاخبار، وذكر أهل العلم لقاعدة مفادها أن باب الاخبار عن الله تعالى أوسع من باب الوصف. وقد استشعرت من بعض المواضيع أن بعض الاخوة وفقهم الله عندهم سوء تمييز لمعنى هاته القاعدة .. فلما تكلم بعض الفضلاء عن معاني الصفات وقال أنها تثبت باثبات السلف لها، ضاق بعضهم بذلك وكأنما يفهم أن اصطلاح الاثبات والنفي اصطلاح يخص الصفة الواردة في القرءان والسنة بلفظها وفقط، ولا يندرج تحته اثبات معناها ولوازمه معها كما فهمه السلف.

فوجدت اضطرابا عند البعض في هذا المعنى. واستشعرت كذلك أن بعضهم لا يتصور حدود الضيق والسعة في باب الاخبار عن الله تعالى وعلاقة ذلك بالوصف الذي يعلم الجميع أنه توقيفي. ومن هنا وقع عنت ظاهر من بعض الاخوان في التعامل مع مسألة الاخبار، وتضييق ليس لهم فيه سلف! بل يجدون كثيرا من الأئمة كابن القيم وغيره يصفون الله تعالى في اخبراهم عنه بألفاظ لم تثبت بالنص في حقه تعالى فتراهم قد يتحرجون هم من ذلك! وما ذاك في نظري الا لسوء تصورهم لمناط الضيق والسعة في مسألة الاخبار، وعن طبيعة العلاقة بينها وبين الوصف المنصوص عليه بلفظه. فان قلنا أن الاخبار عن الله بالجملة توقيفي كالوصف لكان هو عين الصواب، لأنه لا يجوز الاخبار عن الله تعالى بكلام يخالف الحق المنصوص عليه! مع أنا في نفس الوقت نقرر أن باب الاخبار أوسع من باب الوصف .. فكيف هذا؟ وكيف يجتمع التوقيف مع السعة في ذات الوقت؟ هذا ما وجدته مضطربا عند كثير من الاخوان وفقهم الله، وهو ما حملني على طرح هذا الموضوع، عسى أن ينفعهم الله به، فمن الله السداد وعليه قصد السبيل والله الموفق المستعان.

وأقول وبالله التوفيق، أن الاخبار عن الله اذا أطلق فيراد به كل كلام عن الله تعالى بصفة عامة. كل من تكلم عن الله عز وجل، عن ذاته أو صفاته أو أفعاله وآلائه، فهو مخبر عنه. وعليه فكل خبر جاء من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه هو من جهة المعنى داخلا في عموم لفظ"الاخبار". والمخبر عن الله تعالى قد يكون مخبرا عنه في اطار التعليم، أو في اطار المحاجة للمخالفين أو في اطار الوعظ والتذكير، ونحو ذلك ..

وأما الوصف فاصطلاح اذا ما أطلقه أهل العلم فانهم غالبا ما يريدون لفظ الصفة المنصوص عليها مما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد يدخل فيه المعنى اللفظي المباشر الذي به فسر السلف تلك الصفات.

ولعله يصح أن يقال أن العلاقة بين اصطلاحي الوصف والاخبار هي من جنس العلاقة بين لفظتي الاسلام والايمان، أنهما اذا اجتمعتا افترقتا واذا افتقرتا اجتمعتا. فاذا ذكرنا الاخبار عن الله تعالى، فقد نريد بذلك عموم الاخبار والكلام عن الله، وقد نريد خصوص الوصف بالألفاظ المنصوصة وفقط .. والعكس صحيح. فأنا ان قلت أن الله موجود، صح أن يقال في حقي أني أخبرت عن الله بذلك، وصح كذلك أن يقال أني وصفته بذلك، من حيث أصل اللغة .. فهل أنا بهذا، أثبت لله"صفة"الوجود التي لم تثبت بنص، وعليه يحرج علي أن أقول أن هذا وصف لله؟ كلا! أنا لا أدعي أن هذه الصفة منصوص عليها بهذا اللفظ! ولكني أخبر بها - كأن يكون ذلك في حوار بينك وبين ملحد مثلا ينكر وجود الله - فهل خرجت بهذا الاخبار عن أصل التوقيف في عموم الاخبار عن الله؟ أبدا. فالوجود هو لازم من لوازم صفة الحياة وغيرها من الصفات المنصوص عليها، بل هو لازم سائر الأسماء والصفات والآلاء كلها! فأين التوقيف؟ التوقيف يكون في ملازمتي للوازم صفات الله تعالى المعنوية وعدم خروجي عنها! فلو قلت مثلا أن الله له حكمة في اصابة أمريكا بالأعاصير - مثلا - فأنا أتكلم عن فعل بعينه، يعلم من لوازم صفات الله الذاتية والفعلية أنه مختص به وحده لا شريك له - أعني ارسال الأعاصير - وأتكلم كذلك في اطار لوازم صفة الحكمة الثابتة لله تعالى، مفرعا عليها.

فمن هذه الجهة أنا ملتزم بالتوقيف، ولكن في ذات الوقت فالسعة في هذا النوع من الاخبار تأتي من كوني غير مقيد بأن يكون كل لفظ أو كل كلمة تكلمت بها عن الله تعالى واردة بلفظها في النص!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت