فيصح أيضا أن يقال أن بين الوصف والاخبار علاقة عموم وخصوص. فالاخبار أعم من الوصف، والاخبار ينبني على الوصف المنصوص ويتقيد معنويا به ويتفرع عنه. فان كنت حال اخبارك عن الله تعالى، تفرع على لازم صفة من الصفات الثابتة له جل وعلا، ولتزما في ذلك بمعاني ولوازم سائر الصفات المنصوص عليها، لم يكن في كلامك حرج باذن الله. ولا ريب أنك كلما حرصت على لزوم ما تكلم بمثله السلف حتى في هذا الباب، كان أسلم لك وأصون من أن تأتي بلفظ قد لا يليق استعمال مثله في الاخبار عن رب العالمين جل وعلا. والقاعدة التي لا حياد عنها في جميع الأحوال، ألا يتكلم المرء عن رب العالمين كلمة واحدة الا بعلم وفهم، والا دخل في قوله تعالى: (( إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) )الآية [يونس: 68]
وبالنظر في الأمثلة التي بدأت الطرح بها، بالبيان والتحليل يتضح المعنى عند الاخوة بحول الله ..
قلت:
-قول القائل:"لا يزال الله تعالى فاعلا لما يشاء ويختار، وهو مستو على عرشه عليم بعباده لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء"
فأسأل، هل تعدون هذا وصفا أم اخبارا، أم أن فيه وفيه، وعلى أي أساس كان التفريق؟
فأجيب نفسي قائلا - والله أعلم، - أن هذا اذا قلنا أنه كله وصف لله لم نخطئ من جهة اللغة، وان قلنا أنه كله اخبار لم نخطئ كذلك. وأما عند الاصطلاح فنقول أنه بجملته اخبار بالمعنى، ويتخلله وصف ثابت بلفظه. فقولي:"لا يزال الله تعالى فاعلا لما يشاء ويختار"فلفظة"فاعل"لم ترد نصا، وصفة"فاعلا لما يشاء ويختار"لم ترد بهذا اللفظ أيضا، ولكنها مأخوذة من قوله تعالى واصفا نفسه بأنه (( فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) ) [البروج: 16] . وكلمة"لا يزال"في مقدم الجملة هي اخبار عن الله تعالى بلازم صفته أنه الأول والآخر، والتي فسرها السلف على أنه سبحانه بلا ابتداء ولا انتهاء .. فهو من حيث المعنى، لا يزال باقيا قائما بذاته وصفاته جل وعلا من الأزل والى الأبد. فان كنت أخبرت عن الله بلفظ لم يثبت به نص، كلفظ، الا أن معناه هو لازم، بل ومقتضى وتفسير وبيان ما ثبت لله من الصفات المنصوص عليها.
أما قولي:"وهو مستو على عرشه عليم بعباده لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء"فقد يقول الناظر اليها أنها كلها من الوصف الثابت بالنص، وليس من عموم الاخبار بالمعاني واللوازم والمقتضيات .. وهذا صحيح ولكنه ليس بدقيق على التفريق الذي بيناه، فصفة الاستواء على العرش ثابتة بألفاظ عدة ليس منها لفظ"مستوي"وانما الثابت قوله تعالى عن نفسه أنه"استوى". فهل من حرج على المتكلم عن قال أن الله الآن مستو على عرشه، ولم يقل أنه استوى على العرش على هذا اللفظ؟ كلا. لماذا؟ لأن كونه جل وعلا قد استوى على العرش، يعني - كمقتضى معنوي - ويلزم منه أنه سبحانه الآن وفي كل آن مستو على عرشه! فلم يرد عنه تعالى النص على أي صفة مفادها أن صفة الاستواء هذه من بعد ما كانت من الله تعالى فانها تزول عنه! فتقيدا بمعنى أنه سبحانه"استوى على العرش"بعدما أتم خلق السماوات والأرض، وتقيدا بغياب المعارض من النص، جاز لي ان أقول أنه سبحانه الآن مستو على عرشه، ولا يزول عنه ذلك فهو"لا يزال مستويا".
وأما قولي"عليم بعباده"فهذا تفريع على وصفه الثابت نصا بأنه بكل شيء عليم، وبأنه العليم، وهو من المقتضيات المعنوية لكونه سبحانه عليما بكل شيء. فهذا الاخبار من جهتي مقيد وموقوف على اللوازم والمقتضيات المعنوية لصفة العلم على نحو ما جاءت بها النصوص وعلى نحو ما فهمه السلف. هذا هو قيدي وهو حد التوقيف الذي يحرم علي الخروج عنه. اما السعة التي في الاخبار فهي في كوني لا يلزمني ان أردت كتابة هذا المعنى أن أبحث له عن نص جاء فيه بهذا اللفظ وعلى هذا النحو والتركيب اللغوي تحديدا!
وأما قولي:"لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء"فهذا وصف منصوص عليه بلفظة، لا بمعناه، وهو مأخوذ مباشرة من قوله تعالى: (( إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ) ) [آل عمران: 5]
وتأمل في المثال الثاني اذ قلت:
"قول القائل:"الحمد لله الذي كان من الأزل وهو باق الى الأبد، له الدوام سبحانه هو الأول والآخر وهو على كل شيء قدير""
هذا وصف أم اخبار؟""
(يُتْبَعُ)