فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
-قلنا: هذا من تلبيسكم على عوام المسلمين وتضليلكم لهم وهو دليل الإفلاس , فقد حكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 123) ببدعية المولد فقال:"وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام , وإما محبة للنبي r وتعظيمًا , والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاحتفال والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي r عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده , فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي وعدم المانع منه لو كان خيرًا , ولو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله r وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص".
فتأمل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تامًا , وتأمل ما فعله المبتدعة في كلامه من البتر والتجزئة مما يدل على هوى في النفوس وتضليل لعوام المسلمين وإصرار على هذه البدع لما لها من مرود معنوي وحسي عليهم. وغاية ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله - بعد حكمه على بدعة الاحتفال بالمولد وتأكيده على أنه لو كان خيرًا لسبقنا إليه السلف - أنه قد يؤجر بعض الناس على محبته للنبي r لا على البدعة , وهو يعني العوام المضللين الذين يزين لهم هؤلاء البدع فيفعلونها محبة للنبي r فقد - للتقليل والشك - يؤجر هؤلاء من جهة المحبة لا من جهة البدعة.
-قالوا: ورد في الأثر عن عروة ابن الزبير رحمه الله تعالى أن أبا لهب انتفع في النار بعتقه لثويبة لما بشرته بمولد الرسول r فإذا انتفع بالفرح بميلاد النبي r كافر، فالمسلم من باب الأولى.
-قلنا: هذا الأثر مرسل ضعيف , ثم إنه مجرد رؤيا منامية. وهو مخالف لنص القرآن القاطع وهو قوله تعالى: [وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا] {الفرقان:23} . وقد أورد ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في (الإصابة) في ترجمة ثويبة (نقلًا عن ابن سعد) أن أبا لهب أبى أن يعتق ثويبة , ولم يعتقها إلا بعد هجرة النبي r وهذا يبطل ما قلتم من أصله.
-قالوا: أورد الإمام الذهبي وابن كثير رحمهما الله تعالى في تواريخهم ماحكاه المؤرخون عن صاحب إربل السلطان مظفر الدين أبي سعيد كوكبري من احتفاله بالمولد النبوي وتوسعه في ذلك، فمدحاه ولم يذماه.
قلنا: هذا لا يدل على تجويزهما للاحتفال بالمولد النبوي، ولو كان كل من حكى من المؤرخين شيًا عُدَّ مقرًا له ومجوزًا له، لوقع المؤرخون في الكفر والفسق والبدع وكل شر، لاسيما وأنهم لا يكفون عن مدح كل أحد بما فيه من خصال حميدة , ولا يدل ذلك على إقرارهم لكل أفعاله، وإنما نقلا ما نقلا من شأن كوكبري عن سبط ابن الجوزي وكان مما نقلاه قوله:"... ويعمل للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم" (البداية والنهاية: 13/ 137) فهل يعتقد هؤلاء المضلون أن الذهبي و ابن كثير رحمهما الله تعالى كانا يجيزان سماع الصوفية ورقصهم - أيضًا - لأنهما نقلاه في تاريخيهما؟
-قالوا: قد أشاد الله في القرآن بميلاد عيسى ويحيي عليهما السلام وأشاد النبي r بيوم ميلاده في الحديث، فكل ما عظمه الله ورسوله فنحن مأمورون بتعظيمه.
-قلنا: لا يلزم من الذكر والإشادة تجويز الاحتفال واتخاذ اليوم عيدًا وحسبنا ما ورد به الشرع ويدل على ذلك أنه لا يجوز الاحتفال بميلاد عيسى عليه السلام , ولا يمكن لمسلم صادق عاقل أن يدعي أنه أكثر تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم وأفهم للدين من أهل القرون الثلاثة المفضلة.
-قالوا: يجوز أن نحتفل بالمولد النبوي كما يجوز أن نعمل حفلًا لمسابقة في القرآن ونحو ذلك , وإنما المولد ذكر لله تعالى ولرسوله r .
-قلنا: أنتم تتخذون الاحتفال بالمولد النبوي عيدًا يعاد كلما عاد يوم الميلاد , وهذه بدعة حيث خصصتم واخترتم بقصد ليوم بعينه لذاته وهذا تفضيل واختيار وهذا من خصائص الله عز وجل قال تعالى: [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] {القصص:68} . وأنتم تجعلون هذا الاحتفال قربة بذاته؛ ولذلك فإن بعض الناس من شدة اعتقادهم في المولد يتهاون في حضور صلاة الجماعة ولا يتهاون في حضور المولد وقد قال تعالى: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] {الشُّورى:21} . والدليل القاطع أنكم تجعلونه دينًا وقربةً بذاتها أنكم تتكفلون له الأدلة من الكتاب والسنة لتثبتوا أنه مشروع بذاته , وهذا فرق مابين احتفالكم واحتفال من سواكم ممن يجعلون الاحتفال وسيلة وليست قربة بذاتها.
وهذا كله لو سلم الاحتفال بالمولد النبوي من المنكرات والضلالات الأخرى فكيف وأنتم تعتقدون أن النبي r يحضر عند كل مولد في الدنيا , وهذا غاية الجهل وسوء الأدب مع النبي r وأما نحن فنعتقد أنه r لا يغادر نعيم الجنة طرفة عين بأبي هو وأمي. والأدهى والأمر هو التشبيب بالنبي r في بعض الموالد وذكر محاسنه كأنه امرأة حسناء وكما يشبب بالنساء المعشوقات فيذكرون مبسمه وخدوده الوردية وغير ذلك مما لا يرضي أن يوصف به نصف رجل، فكيف تسمح لهؤلاء نفوسهم أن يقولوا ذلك في الطهر والجولة الكاملة (محمد العظمة والبطولة) صلوات ربي وسلامه عليه , فبئس الحب هذا الحب الزاائف الذي استبدل هوى النفس بالعمل والاتباع، سلمنا الله وكل مسلم من الهوى والزيغ.
وختامًا حسبنا ما عليه أهل القرون الثلاثة المفضلة، ومن الأمة سواهم , وإنها لمصيبة أن يحتفل أناس في يوم مماته r فقد مات محمد r باتفاق العلماء في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول , وأهل السنة يتبعون ولا يبتدعون , ولا يحتفلون ولا ينوحون , وصلوات الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أبو مجاهد صالح بن محمد بن عبد الرحمن باكرمان.