فهرس الكتاب

الصفحة 6858 من 28557

ولكن هيهات هيهات ... فقد تحولت العراق لبركة دماء أميركية كبرى ... وأُسقط في يد بوش وزبانيته واتسعت المقاومة لتشمل كل ركن في العراق وبينما كان السستاني يحرم الجنة على من يقاوم الأميركان كان المجاهدون يحرمون الأنبار وصلاح الدين وبعقوبة وغيرها على هامرات الأميركان.

أقول شيئا, إن مسئلة سقوط بلدة ما في يد قوات غازية لا يقاس أبدا بمقدار تواجد جحافلهم فيها أو كثافة نيرانهم ... إنما المعيار هو مقدارالسيطرة والتحكم ومدى اتساع نطاقها. وأعطيك أمثلة:

لقد دخل السوفييت أفغانستان بقوات كبيرة ومكثوا فيها اعواما عدة فهل سقطت أفغانستان في يد برجنيف؟ ومن قبلها دخل الألمان ستالينجراد بعد معارك استنزاف دامية, فهل سقطت ستالنجراد في يد هتلر؟

عندما سطا الأميركان على فيتنام وقرروا - إبان الحرب الباردة - بناء دولة من العدم جنوب خط عرض 17 في الهند الصينية لتكون دولة عميلة لهم وسموها فيتنام الجنوبية وجاؤوا فيها بنصف مليون جندي أميركي وآلة حرب رهيبة وعاثوا فيها فسادا لعقدين من الزمان فهل قيل إن فيتنام سقطت؟ لم يكن أحد يتجرأ ولو عنده نصف عقل أن يقول أن فيتنام سقطت في يد الأميركان رغم أنهم مكثوا فيها 21 عاما (1954 - 1975) تعاقب على الولايات المتحدة فيها 3 رؤساء (كينيدي - جونسون -نيكسون) فماذا حدث؟ الأول اُغتيل اغتالته مافيا السلاح (لأنه كان يريد الانسحاب) والثاني استقال تحت وطئة الهزيمة والغضب الشعبي والثالث أُقيل لفضائحه.

كانت أيام سود على الأميركان شعبا وجيشا وسلطة ظهر فيه وجه أميركا القبيح واجتاحت المظاهرات العارمة كل الولايات والجامعات الأميركية وانتشر الحرس الوطني في الشوارع وأُعلنت حالت الطوارئ في البلاد وواشنطن وعمت الفوضى وأطلق الرصاص الحي لأول مرة على افراد الشعب الأميركي وسقط قتلى مدنيون وأطلقت كلمة مشهورة انتقادا للسلطة وأدائها في حرب فيتنام:"إنهم يقتلون أبناءنا في فيتنام وفي الحدائق الخلفية لبيوتنا"

وانعكست الهزيمة التي تحدث في فيتنام على بعد آلاف الكيلوترات سلبا على سلوك السلطة تجاه الشعب وعلى الشعب نفسه تجاه مجتمعه ومورست ابشع جرائم التفرقة العنصرية ضد السود في الستينات من القرن المنصرم واغتيل داعية حقوق السود الشهير"مارتن لوثر كنج"ومالكولم إكس -رحمه الله- بينما انشق قطاع عريض من الشعب الأميركي المريض عن المجتمع نفسه وظهرت مجتمعات"الهيبيز"تموج كالبهائم وتمارس الحياة كما تمارسها الحيوانات.

إني اتكلم عن فيتنام وغزو الأميركان لها وأثر ذلك على المجتمع الأميركي بإسهاب لأن ما حدث في فيتنام صورة كربونية من لما يحدث الآن على أرض العراق والذي يقرأ التاريخ يدرك التشابه المذهل بين الحربين ويدرك كيف أن العقلية الأميركية الاستعمارية المتسلطة بلهاء لا تتغير ولا تتطور وأنهم لا يستفيدون من تجاربهم وهزائمهم المريرة ولايعون الدروس المستفادة: ولنوضح بعض أوجه التشابه الرئيسية:

ذهبت أميركا للحرب في فيتنام وحدها وفي العراق ذهبوا وحدهم أيضا.

إحتاجت أميركا لذريعة تتخدمها لإطلاق شرارة العمليات العسكرية الكبرى ضد فيتنام الشمالية فكان الادعاء بأن هناك هجوم عسكري تشنه قوات فيتنام الشمالية على بارجتين حربيتين أميركيتين تبحران في خليج"تونكين"على سواحل فيتنام فتم استصدار قرار من الكونجرس الأميركي بإعطاء صلاحيات أوسع للرئيس الأميركي باستخدام القوة العسكرية والضربات الجوية فيما عرف بـ"Gulf of Tonkin Resolution"

ثم جاء اعتراف وزير الدفاع الأميركي وقتها"ماكنمارا"بأنه لم يحدث هجوم من الأساس تماما كما استخدم الأميركان ذريعة تطوير أسلحة الدمار الشامل في معامل صدام كمبرر كاذب داخل مجلس الأمن لشن الهجوم على العراق وكلنا يذكر كيف ظهر كولن باول يهذي في جلسة المجلس ليثبت بالصور والفيديو امتلاك العراق لها ثم اتضح فيما بعد أنها خديعة كبرى.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت