فهرس الكتاب

الصفحة 7163 من 28557

ولقد أدى ذلك إلى أن عددًا من رجال الدين البروتستانت طوروا استجابتهم للتحديات، من خلال بلورة مذهب"الإنجيلية الاجتماعية"الذي تشكَّل في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، والتزم بتحسين الواقع الاجتماعي والتوفيق بين العلم والدين.

وبينما كانت الإنجيلية الاجتماعية تزداد انتشارًا واتساعًا، حيث انضم إليها أغلب القساوسة وعلماء اللاهوت، فقد شهدت البروتستانتية المحافظة تراجعًا كبيرًا.

وقد هاجم العقلانيون الليبراليون البروتستانت المحافظين الأصوليين، واتهموهم بأنهم معادون للفكر وظلاميون وملتزمون بالتفسيرات البالية للإنجيل.

ومع نهاية عشرينيات القرن العشرين كان قد ظهر انقسام دائم في البروتستانتية الأميركية بسبب الخلاف بين الأصوليين المحافظين وبين الليبراليين الحداثيين.

لم يكن الأصوليون مستعدين للاعتراف بضعفهم، واستجابة لضغوطهم مررت عدة ولايات القوانين المناهضة لنظرية التطور (نظرية داروين) مثل أركنساس، وفلوريدا، وميسيسبي، وأوكلاهوما، وتينيسي.

غير أن الأصوليين لاحظوا أن طريقتهم تفتقر إلى المادة الفكرية، فانسحبوا من المشهد العام وأخذوا يركزوا على الثقافة والتعليم.

الأصوليون المسيحيون

انشغل الأصوليون المسيحيون بترتيب أوضاعهم الداخلية وركزوا على التعليم وإعادة التنظيم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (سنة 1945) .

ثم بدأوا بالعودة إلى الحياة العامة واستقطاب الأتباع والمعجبين، وبرز نجم بيلي جراهام الذي دعاه ترومان للبيت الأبيض سنة 1950، ثم تتابعت زياراته للرؤساء المتعاقبين مثل أيزنهاور وجونسون ونيكسون.

ظل الأصوليون حتى ستينيات القرن العشرين متمسكين بمبدأ عدم التدخل في الشئون السياسية، غير أن عددًا من التطورات دفعتهم لتغيير هذه السياسة، مثل: قرار إبطال سياسة الفصل العرقي في المدارس سنة 1954، ومنع المحكمة العليا إقامةَ الصلوات في المدارس سنة 1962، وتشريع الإجهاض سنة 1973.

بالإضافة إلى أن الفوضى الجنسية، وانتشار المخدرات، والفضائح السياسية (مثل ووترجيت) ، وحرب فيتنام، أقنعت الأصوليون بأن الوقت قد حان للنهوض وتصويب الأمور.

وقد خلص الأصوليون إلى أن الليبرالية هي نفسها مصدر كلّ هذه المشاكل، وأن الوضع لن يتحسّن إلا إذا أعيد للقيم التقليدية والأخلاقية مكانتها.

ولكن كان عليهم قبل ذلك أن يعالجوا مشاكلهم الكبيرة، المتمثلة في الصورة السلبية التي يحملها الناس عنهم بحيث أصبحوا مثارًا للسخرية، وفي غيابهم عن أروقة السلطة، وفي افتقارهم للإمكانات الفكرية، وفي تضاؤل عدد مؤيديهم.

إستراتيجية الاندماج

لم يقم التيار الأصولي المسيحي العام بردِّ فعل انفعالي متطرف، ولكنهم تبنوا استراتيجية الاندماج في النظام السياسي واستغلاله لصالحهم.

ركز الأصوليون على الأطفال، وعلى تنظيم البرامج الشعبية الجذابة والمسلية، وأسسوا سنة 1945 منظمة"شباب من أجل المسيح"، ولبسوا بدلات ملونة وملابس رياضية، وقدموا برامج ترفيهية.

وقدَّموا شعارات مناسبة تحمل رسالتهم مثل"حقيقة قديمة من أجل شباب عصري"، كما أظهروا حماسة وعاطفة وطنية كبيرة زادت من إعجاب الناس بهم.

وتمكنوا من إثارة اهتمام الإعلام، وأصبحت مسابقاتهم سنة 1947 تجتذب نحو مليون شاب أسبوعيًا.

وفي مواجهة الشيوعية عَدَّ بيلي جراهام صورة"المسيح الرجولي، الرياضي المنتصر، خالق الحرية"هو الحل. ولقي ذلك قبولًا كبيرًا لدى الناس.

وقدَّم الأصوليون المسيحيون أنفسهم بوصفهم المدافعين عن أميركا المسيحية والرأسمالية، ونجحوا في جعل الأصولية مرادفة للوطنية. ومع بداية النصف الثاني من القرن العشرين كان الأصوليون قد نجحوا في ترميم صورتهم، وفي بناء العلاقات مع المتنفذين والسياسيين.

الأصوليون والجانب الفكري

يتحدث المؤلف في الفصل الرابع عن اهتمام الأصوليين بالجانب الفكري وكيف شجعوا القراءة وإصدار الكتب والصحف وإنشاء المؤسسات والمعاهد اللاهوتية مثل"إنجيل مودي"، ومؤسسة لوس أنجلوس للإنجيل ومعهد فوللر وجامعة الحرية.

وقد تواصل الهجوم على الليبراليين بطريقة أكثر انتظامًا وذكاء، وكان لفرانسيس شايفر دور مهم في هذا المجال، إذ كرَّس نفسه مُنظِّرًا فكريًا للأصوليين، كما نشط في الإطار الثقافي والإعلامي.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت