فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
النصوص التي وردت في الوحدة والاجتماع متعددة؛ لذا نكتفي فيها بما يدل على المقصود دون الاستقصاء.
قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران:103] .
قال أبو جعفر الطبري في معنى هذه الآية أي: (وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله) .
وقال ابن عاشور: (وقوله: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} ثَنَّى أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم لأخراهم، بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم، وذلك بالاجتماع على هذا الدّين وعدم التَّفرّق ليكتسبوا باتّحادهم قوّة ونماء) .
فأمر الله بالوحدة ونبذ الفرقة بيّن في هذه الآية، بل ومؤكد؛ لأن الله أمر بالاعتصام والوحدة على شرعه، ونهى عن الفرقة والنزاع، وهذا عين الأمر بالوحدة والاجتماع، ثم يأمرهم - بعد ذلك - بالامتنان له وتذكر نعمته عليهم في جمع كلمتهم بعد أن كانوا أعداء متفرقين، فأي تأكيد أكثر من هذا؟!
ومما ورد في السنة مما يأمر بالوحدة والاجتماع ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجابية - فكان مما قال: (( عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ) ).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ) ).
ففي هذين الحديثين يتضح لك أهمية هذا الأمر وتأكيده من المعصوم عليه الصلاة والسلام؛ لأن فيه بقاء الأمة وعزها الذي يثمره الاجتماع.
ثانيًا: أثرها في تطبيق مراد الله من العبد:
مما يقطع بأهمية هذا الأمر ارتباط جملة من الأحكام الشرعية به، فإن من الأحكام التي أُمر بها العبد ما لا يمكن تطبيقه إلا بتوفر الجماعة مما يعزز بناء الوحدة في النفوس. من ذلك مثلا:
-الصلاة، ولا سيما صلاة الجمعة التي لا تقام إلا في جماعة المسلمين، وصلاة الاستسقاء، بل صلاة الجماعة ما فرضت وكررت في اليوم خمسة مرات إلا لبناء هذا المعنى، ومما يؤكد أهمية الوحدة ويبيّن مكانتها أن لصلاة القيام مع الجماعة أجر كأجر قيام ليلة بخلاف صلاة المنفرد فعن أبى ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ) )، وهناك أحكام أخرى يأتي بيانها في الأسس والمنطلقات.
-تنبه في هذا الموطن إلى أن ثمت إشارة عامة في النصوص الشرعية التي تدعو إلى تطبيق أمر الله، وهي أن مجمل النصوص - إن لم يكن جلها - أتى بصيغة الجمع مما يعطي أهمية للاجتماع ويدلل على أن الأمة الإسلامية أمة واحدة كما أخبر ربها جل وعلا: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون} [المؤمنون:52] فلو نظرت مثلا إلى أول نداء في القرآن الكريم تجد أنه بصيغة الجمع، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة:21] ، وتتوالى الأمثلة على هذا النحو، وهي في غاية الكثرة في الكتاب والسنة، من ذلك مثلا:
قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِين} [البقرة:43]
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [البقرة:183]
وقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين} [آل عمران:97]
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [الحج:77]
(يُتْبَعُ)