فهرس الكتاب

الصفحة 7310 من 28557

فأنت تلحظ أن جل هذه الأوامر أتى بصيغة الجمع مما يعطي زيادة معنى واهتمام بمبدأ الوحدة والاجتماع، والقرآن والسنة في ذلك سواء.

ثالثًا: دورها في المحافظة على الأمن:

الأمن من أهم المطالب في الحياة الإنسانية، وحياة ليس فيها أمن حياة بائسة شقية مهما بلغت من الرقي والازدهار، ولا أعز على المرء في دنياه ممن يوفر له الأمن على نفسه وماله وولده، ولا يوجد دين في هذا الكون الآن تكفّل بحفظ هذه الأمور كما تكفّل بها ديننا الحنيف، ومن أعظم ما يعزز هذا الحفظ في الوجود وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم؛ لأن ذلك إذا تحقق كان كالحصن للمجتمع من كل من أراد العبث فيه، بل قد ينعدم ذلك بالكلية؛ لأن المجتمع في الحقيقة أصبح كالجسد الواحد.

فالمجتمع إذا سادت فيه المحبة والأخوة تطبيقًا لما أخبر به المعصوم عليه الصلاة والسلام، في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )= يصعب أن يتسلل إليه من يخل بأمنه.

رابعًا: أثرها في جمع الكلمة ووأد النزاع:

من ضرورات الوحدة وأد النزاع في مهده، لما فيه من إضعاف الأمة وتشتت أمرها، وهذا يقتضي بالضرورة الأمر بترسيخ الاجتماع الذي يثمر أمرين في غاية الأهمية لبناء أي مجتمع:

الأول: تأليف القلوب:

كما قال تعالى: {يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} [الحجرات: 13]

فالتعارف نقطة البداية في إقامة مجتمع تسوده المحبة والتقدير، وهو مما يعمّق الأخوّة الإيمانية.

قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ، [الحُجُرات:10] وتحقيقًا لهذا المبدأ العظيم قام الرسول عليه الصلاة والسلام بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، لتكون أول لبنة من لبنات هذا المجتمع راسخة في تأسيس مبدأ الوحدة والاجتماع، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام حذّر من كل ما يخدش هذا الإخاء، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ) ).

الثاني: التعاون:

مما دعا إليه هذا الدين العظيم، بل وتميّز به بث روح التعاون بين أهله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) ). فأي اتحاد أعظم من هذا؟ دين هذه قيمه؛ حريٌّ به أن يهيمن على الحياة، أي أمة من أمم الأرض تحفل بمثل هذه المعاني"أمة كالبنيان المرصوص"كما أخبر المعصوم عليه الصلاة والسلام.

عن أبى موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا ) ). وشبك أصابعه .

قال الشاعر:

هموم رجال في أمور كثيرة ** وهمي من الدنيا صديق مساعد

نكون كروح بين جسمين قسمت ** فجسماهما جسمان والروح واحد

خامسًا: دورها في قوة الإسلام وهيمنته في الحياة:

ومن أصدق ما يؤكد هذا الدور: الخلافة الإسلامية؛ فهي بلا ريب من أكثر الوسائل التي أدت إلى النهوض بالإسلام، واتساع دائرته، وفرض وجوده وقيادته في الحياة، ولا أدل على ذلك من تكالب الأعداء عليها في كل زمن حتى آلت إلى السقوط؛ فضربت الوحدة الإسلامية في مقتل جراء ذلك السقوط، ولا شك أن التشرذم في الصف الإسلامي، وتقسيم الخلافة إلى دويلات مما أدى إلى هذا السقوط القاتل.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت