فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
العمل والإيمان قرينان لا ينفك أحدهما عن صاحبه، إذا وجد الإيمان وجد العمل، وإذا عدم العمل عدم الإيمان، لا يمكن بقاء الإيمان مع عدم العمل، وفي القرآن والسنة الشيء الكثير من بيان أن الإيمان لا بد فيه من العمل.
"بل القرآن والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق".
ومتواتر أيضا: أنه لم يكن يحكم لأحد بحكم الإيمان إلا أن يؤدي الفرائض.
وقد أخبر الله تعالى في كتابه في آي كثيرة منه أن هذا الإيمان لا يكون إلا بالعمل وأداء الفرائض بالقلوب والجوارح، وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرحه في سنته، وأعلمه أمته، وكان مما قال الله تعالى في كتابه مما أعلمنا أن الإيمان هو العمل، وأن العمل من الإيمان ما قاله في سورة البقرة: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} .
وقال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
وقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} .
وقال: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ، وقال: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا} .
وأهل السنة متفقون على التلازم التام بين الإيمان والعمل بحيث يستحيل أن يوجد الإيمان ولا يوجد العمل، ولم يخالف في هذا إلا بعض فقهاء الكوفة كحماد بن أبي سليمان وغيره، فلم يجعلوا الأعمال الظاهرة لازمة لإيمان القلب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر أن المرجئة ثلاثة أصناف:
"والثالث تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة، وهؤلاء غلطوا من وجوه ...."
الثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب، ولا يجعلونها لازمة له، والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر.
ومما يبين خطأ هذا القول وعدم صحة نسبته إلى أهل السنة ـ وأن العمل أي عمل الجوارح ركن لا بد منه، فلا يصح إيمان المرء إلا به ـ أمور عدة منها:
الأول: تصريح أهل السنة بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأنه لا بد من هذه الأمور الثلاثة جميعا، لا يكتفى ببعضها دون الآخر.
وممن حفظ عنه:
-أبو ثور:. قال:"اعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال أشهد أن الله عز وجل واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به، أنه ليس بمسلم."
ولو قال المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، ثم قال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك، أنه كافر بإظهار ذلك، وليس بمؤمن، فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمنا، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمنا، حتى يكون مصدقا بقلبه مقرا بلسانه، فإذا كان تصديقا بالقلب وإقرارا باللسان كان عندهم مؤمنا، وعند بعضهم لا يكون مؤمنا، حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت مؤمنا، فلما نفوا أن يكون الإيمان بشيء واحد وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم، وثلاثة أشياء في قول غيرهم، لم يكن مؤمنا، إلا بما اجتمعوا عليه من هذه الثلاثة الأشياء، وذلك أنه إذا جاء بهذه الثلاثة الأشياء، فكلهم يشهد: أنه مؤمن، فقلنا بما اجتمعوا عليه من التصديق
(يُتْبَعُ)