فهرس الكتاب

الصفحة 7407 من 28557

وقال:"ثم القلب هو الأصل فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» ... )."

فإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل، بالإيمان المطلق كما قال أئمة أهل الحديث قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه"."

فهذا الحديث دليل بين على ارتباط العمل الظاهر بعمل القلب، فكما أن صلاح الجسد وفساده مرتبط بصلاح القلب وفساده فكذلك إيمان الجوارح مرتبط بإيمان القلب، فإذا آمن القلب آمنت الجوارح لا تتخلف كما لا تتخلف في الصلاح والفساد.

هـ- قال ابن القيم:"فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما: أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مصر على تركها."

هذا من المستحيل قطعا، فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبدا، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمره بها فليس في قلبه شيء من الإيمان.

ولا تصغ إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها، وتأمل في الطبيعة بأن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعد والوعيد والجنة والنار، وأن الله فرض عليه الصلاة، وأن الله يعاقبه معاقبة على تركها، وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته وعدم الموانع المانعة له من الفعل، وهذا القدر هو الذي خفي على من جعل الإيمان مجرد التصديق وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك محرم.

وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاه فعل طاعة ولا ترك معصية"."

وقال:"فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان".

وقال في كتابه الفوائد: فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل على فساد الباطن وخلوه من الإيمان، ونقصه دليل نقصه، وقوته دليل قوته.

و- قال حافظ بن أحمد الحكمي:"ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» )."

ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان: هو التصديق على ظاهر اللغة أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرا وباطنا، بلا شك لم يعنوا مجرد التصديق"."

ومما يبين التلازم بين إيمان الأعمال الظاهرة وإيمان القلب:

-أن الإنسان إما أن يقول في أعمال الجوارح: إنها من الإيمان وإنها لا تنفك عما في القلب بحيث إذا وجد الإيمان في القلب وجدت، وإذا زالت زال ما في القلب.

-أو يقول: إنها لازمة لإيمان القلب لا تنفك عنه مرتبطة به توجد بوجوده، ويعدم الإيمان بعدمها، فهذا الخلاف خلاف لفظي.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فإذا قال: إنها من لوازمه وإن الإيمان الباطن يستلزم عملا صالحا ظاهرا كان بعد ذلك قوله: إن تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان أو جزء منه نزاعا لفظيا".

-أو يقول: إنها ليست لازمة لإيمان القلب بحيث يوجد الإيمان في القلب ولا توجد، فيلزمه قول جهم بن صفوان الذي هو أفسد قول قيل في الإيمان، وفساده معلوم بالضرورة من الدين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز، نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيا."

وإن قلت: ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه: من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر، وترك جميع الواجبات الظاهرة، قيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم له وموجب له.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت