فهرس الكتاب

الصفحة 7512 من 28557

وهذا ما دفعني إلى استعراض مفصل لتاريخ الكنيسة الكاثوليكية وعودتها إلى أداء دورها السياسي الدولي ,وكذلك إلقاء الضوء على الصحوة الدينية في أمريكا وفقا للترتيب التالي:::

1_الإصلاح الديني في تاريخ أوروبا ,وفى عصر النهضة ودوافعه الحقيقية

2_دور الكنيسة الكاثوليكية ونشاطها الدولي

3_توكيد الهوية الدينية في أمريكا"الأصولية المسيحية"

أولا: الدوافع الحقيقية للإصلاح الديني في عصر النهضة::::-

جاء عصر النهضة في أوروبا بتغييرات أشبه بالإعصار العنيف ليقتله كافة النظم والقيم التي سادت في العصور الوسطى ,فأصابت في اجتياحاتها للمجتمعات والتقاليد بالانهيار ,كإقبال الناس على الإسراف في المقامرة ,وعدم التقيد بالروابط الزوجية ومخالفة الأفراد لأوامر الحكومة ,ولم تسلم الكنيسة والباباوات من الأحوال الشاذة المخالفة لقواعد الدين والأخلاق"9"

وبحثا عن طريق الخلاص اتجه الناس أولا إلى الناحية الدينية ,فظهرت في إيطاليا وخارجها حركات دينيه تصوفية لإصلاح المجتمع دينيا وخلقيا وسياسيا ,مثل حركة"بيتر والدو"

الذي عمل هو وأنصاره على وجوب ارجع الدين إلى نص الكتاب المقدس ,ودعا إلى إصلاح الكنيسة.

واستمر يظهر في إيطاليا طوائف من الرهبان يعظون الناس ,والامتناع عن حياة الفسوق التي عاشها كثير من أهل العصر , ويهاجمون الربا الفاحش وحياة الاستهتار والبذخ ,فلقوا قبولا من الناس حتى ضاقت بهم الكنيسة, فوعظوهم في الميادين العامة"10"

ومن هؤلاء الرهبان الذين اسهموا في الإصلاح الديني الراهب"سافونا رولا"الذي يعد المهد لمارتن لوثر كما يرى"ديورانت", أي أن عصر النهضة لم يلق بالدين وراء ظهره رافضا إياه , ولم يكن ثائرا على الدين نفسه , بل على بعض رجال الكنيسة بغية إنقاذ الدين.

وكان تصور هذا الراهب للدين اعم واشمل من الاقتصار على مفهوم العبادات الفردية , ويتضح ذلك من دفاعه عن موقفه أمام أحد المجالس الدينية التي استدعى إليها للنظر في أمر تدخله في شئون الدولة , فقال لأعضاء ذلك المجلس الديني:

(إن غيره من رجال الدين اشتغلوا قبله بالسياسة ,ولا جريمة في ذلك إلا إذا لم يكن هناك غرض سام أو سعى لإعلاء شان الدين.وتحدى الجميع أن يذكروا له جملة واحدة في الكتاب المقدس تمنع رجال الدين من معاضدة حكومة حرة لتطبيق قواعد الأخلاق والدين) "11"

وكتب إلي ملوك فرنسا وأسبانيا وألمانيا وبلاد المجر ,يرجوهم أن يدعوا إلي مؤتمر عام لإصلاح الكنيسة ,وجاء في رسالته:"لقد حان وقت الانتقام ,وقد أمرني الله أن اكشف عن أسرار جديده ,وان اظهر للعالم الأخطار التي تهدد سفينة القديس بطرس نتيجة لطول إهمالكم ,إن الكنيسة غاصة بكل ما هو مرذول وممقوت من قمة رأسها إلي أخمص قدميها ,ومع ذلك فإنكم لا تكتفون بالسكوت على علاج مساوئها ,بل إنكم تقدمون الولاء والخشوع للمتسببين في هذه الرذائل التي تدنسها"12""

وقد أودت خصومته للبابا إسكندر السادس بحياته ,وكانت جرأته في الحق لا تجارى بمثل قوله (لا يستطيع البابا أن يصدر أمرا ما يتعارض مع مقتضيات البر أو أوامر الإنجيل وإذا تبين بوضوح أن أوامر الرؤساء تتعارض مع أوامر الله ,وبخاصة إذا تعارضت مع قواعد البر والخير ,فما من أحد من الناس في هذه الحال ملزم بإطاعتها) "13"

وبمثل هذا السجل الحافل بالمواقف والأقوال التي لا تمحى من ذاكرة التاريخ الديني بالغرب ,جاء بعد"سافولانا رولا""لوثر",وبالموازنة بينهما وصفه ديورانت بقوله (لقد كان بروتستنتينيا قبل أن يجيء لوثر ,ولكن بروتستنتيته لم يكن لها معنى إلا أنها الدعوة لإصلاح الكنيسة ,ولم يكن يشارك لوثر في شيء من أرائه الدينية المخالفة لأراء الكنيسة القائمة ,ولكن ذكراه أصبحت قوة تملا عقول البروتستنت ,ولذلك لقبه لوثر بالقديس) "14"

وبعد هذه العجالة ,لا ندرى سبب الوهم القائل بعداء أوروبا للدين أو نبذه ,فقد تبين للدارس أن الغيرة على الدين هي التي دفعت بالمصلحين إلي اتخاذ المواقف المطالبة بإصلاح الكنائس ,وتطبيق الدين في الحياة السياسية كما ورد في دفاع الراهب"سافولانا رولا"أنفا _لا استبعاد الدين نفسه وإهماله والتخلي عنه برمته"15"

ثانيا_ الكنيسة الكاثوليكية ونشاطها الدولي::::-

يقول"ميران مشيدلوف مؤلف كتاب"الدين في عالم اليوم":--"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت