كما أن هيئة العلماء المذكورة في البرنامج تقابلها متناقضاتٌ كثيرةٌ، مثل أن السيادة للشعب، ومثل حظر إنشاء أحزابٍ على أساسٍ دينيٍ، ومثل التأكيد على مبدأ المواطنة، الذي يستلزم التفريق بين الناس على أساسٍ من الجنسية وليس من الدين، أي أن المسلم الملاصق للحدود المصرية في ليبيا أو السودان أو فلسطين ليس له من الحقوق في مصر ما لغير المسلم المصري فيها، وهذه مخالفةٌ واضحةٌ لأحكام الشريعة.
ولذلك فليس للشريعة في البرنامج المرجعية، وإنما خلطت مرجعيتها بمرجعياتٍ أخرى.
ثالثًا: غاب عن البرنامج أن العمل السياسي لا يكون صحيحًا إلا في ظل نظامٍ إسلاميٍ، أما في غياب هذا النظام، فإن الممارسة السياسية حسب قواعد وقوانين ودساتير النظام غير الإسلامي تعني الاعتراف الصريح والضمني بشرعية ذلك النظام. ولا فرق بين من يمارس السياسة تحت مظلة دستورٍ علمانيٍ، وبين من يمارسها تحت مظلة دستورٍ فرضه الغازي المحتل، كلاهما يمارس السياسة حسب ما يرسمه له ويلزمه به نظامٌ غير إسلاميٍ. وللأسف فإن قيادة حماسٍ قد ارتكبت الخطأين.
والشريعة كما حددت الأهداف كذلك حددت الوسائل، فلا يجوز الوصول لهدفٍ شرعيٍ بوسيلةٍ محرمةٍ، ناهيك أن تكون مخالفةً للعقيدة. فالذي يزعم أنه سيطبق الشريعة عبر التحاكم لغير الشريعة يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، ولن يطبق الشريعة.
رابعًا: أما بالنسبة لاتفاقيات السلام مع إسرائيل، التي نصوا على رفضها، فقد طالبوا بعرضها على الشعب في استفتاءٍ عام [7] ، رغم أنهم يقرون أنها مخالفةٌ للشريعة، فكيف يعرضون أمرًا مخالفًا للشريعة للاستفتاء، وهذا من مظاهر الخلط العقائدي.
إلا أنه من الإنصاف أن موقفهم الواضح من تحرير كل شبرٍ من فلسطين، أفضل من موقف قيادة حماسٍ في اتفاقية مكة.
خامسًا: خلا البرنامج من أي ذكرٍ لدعم الجهاد والمجاهدين، دعك من جهاد المرتدين، فقد تنكروا له منذ زمنٍ، وكرروا هذا التنكر في البرنامج رغم إجماع الفقهاء عليه، حيث ذكروا أن وسيلتهم للتغيير هي بالطريق البرلماني الدستوري، ولكنهم أيضًا لم يذكروا كلمةً واحدةً حول دعم الجهاد ضد الغزاة المحتلين لديار الإسلام، ولا حتى مجرد الدعم السياسي والمعنوي لهم. بل إن كلمة جهادٍ لم ترد في البرنامج إلا عند الحديث عن دور الأزهر التاريخي في صد الغزاة. أما المجاهدون في فلسطين والشيشان والعراق والصومال فلم يرد عن ذكرهم حرفٌ واحدٌ.
كذلك لم يتطرق البرنامج لدعم المسلمين المحاصرين في قطاع غزة، ولا تعرض بالنقد لسياسة الحكومة المصرية المتواطئة في هذا الحصار، رغم تعرضه لتفاصيل التفاصيل في أمورٍ أخرى.
ولم يتطرق البرنامج لمعاناة المسلمين في ديارهم المحتلة ككشمير والفلبين والشيشان وسبتة ومليلية وتركستان الشرقية. رغم تأكيده على وحدة الأمة الإسلامية.
وهذا يذكر بسكوتهم المريب عن أعضاء التنظيم الدولي، الذين شاركوا في حكومات المحتل العميلة في أفغانستان والعراق. بل صرح محمدٌ مهديٍ عاكفٍ عندما سئل عن موقف الجماعة من مشاركة إخوان العراق في مجلس الحكم العراقي بقوله:
"نحن لا نشك في إخلاص ودين إخواننا، وهم يتخذون الموقف الذي يرونه مناسبًا بناءً على فقهٍ ودراسةٍ وأصولٍ" [8] . وفي مقابل ذلك يتهم عاكف المجاهدين بالضلال والانحراف. ?فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ?.
سادسًا: رغم رفض البرنامج لاتفاقية كامب ديفيد إلا أنه أقر باحترام كافة الأعراف والمواثيق والمعاهدات الدولية [9] ، ولم يبد البرنامج رأيه مثلًا في معاهدة القسطنطينية، التي اتخذها نظام حسنيٍ مباركٍ ذريعةً لمرور السفن الصليبية المتوجهة لضرب العراق، ولا رأيه في اتفاقية المعابر بين مصر وفلسطين، التي اتخذها نفس النظام ذريعةً لتواطئه مع الأمريكان واليهود في حصار أهل غزة.
سابعًا: بالنسبة للأمم المتحدة طالب البرنامج بإصلاح الأمم المتحدة لكي تقوم على أسس الديمقراطية الدولية السليمة التي ينادي بها، دون نظريات حكم الأقوى [10] . ومعنى هذا الكلام أن البرنامج يرضى بأن تكون القرارات في الأمم المتحدة بأغلبية الأعضاء، وهذا إقرارٌ بأمرين خطيرين:
الأول: الرضا بالتحاكم لغير الشريعة.
(يُتْبَعُ)