ج) إن هذه المادة لا سلطان لها على القضاة في المحاكم، وإنما هي تخاطب المشرعين (كما يسمونهم) في مجلس الشعب (البرلمان) ، وبهذا أفتت المحكمة الدستورية العليا، واستندت إلى المادة مائةٍ وخمسةٍ وستين في الدستور، التي تنص على أن الحكم في المحاكم بالقانون. ولهذا يمنع أي قاضٍ من أن يحكم بالشريعة بدلًا من القانون الوضعي. وفي مخاطبة هذه المادة لأعضاء البرلمان فإنها لا تلزمهم بأحكام الشريعة الإسلامية، بل لهم أن يختاروا من مبادئها أو من مبادئ غيرها.
د) كما أن هذه المادة الثانية من الدستور جاءت بناءً على تعديلٍ دستوريٍ، وليس التزامًا بحاكمية الشريعة. أي أن هذا التعديل الدستوري جاء بناءً على موافقة أغلبية النواب ثم موافقة أغلبية الشعب، الذين يملكون سلطة تعديل القانون والدستور، ولم يجئ لأن الشريعة هي الحاكمة على الدستور والقانون، وبالتالي فإن الشعب يملك أيضًا أن يعدل هذه المادة، ويكون بذلك مستخدمًا لحقه، وليس مجرمًا في ميزان الدستور، بينما يعد في ميزان الشريعة آثمًا خارجًا على الشريعة، لأن الدستور يعطي السيادة للشعب وحده، ولا يعطيها للشريعة، بينما في الإسلام لا يملك أي عددٍ من الناس -قل أو كثر- أن يغير من الشريعة، التي يجب أن تطبق سواءً وافق الأكثرون عليها أم رفضوا.
هـ) كما حكمت المحكمة الدستورية العليا أن هذه المادة لا أثر رجعيٍ لها، وبالتالي فلا يمكن أن يستند إليها في تغيير أي قانونٍ صدر قبلها، وحيث أن الأغلبية الساحقة من القوانين قد صدرت قبلها فلا أثر لهذه المادة على الأغلبية العظمى من القوانين [4] .
وللأسف فإن البرنامج لم يحتف فقط بالمادة الثانية من الدستور، بل ذكر في أول عبارةٍ في الفصل الأول من الباب الأول أن:"مبادئ الشريعة الأسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، ولم يمتلك كاتبو البرنامج -للأسف- الوضوح العقائدي، لكي ينصوا على أن أحكام الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع، والبون شاسعٌ بين من يعتبر أن أحكام الشريعة هي المرجعية الحاكمة الوحيدة، وبين من يعتبر أن مجرد مبادئ الشريعة هي المرجعية الأساسية مخلوطةً بمرجعياتٍ أخرى. وفاقد الشيء لا يعطيه.
كذلك ذكرت كلمة ديمقراطية ومشتقاتها في البرنامج تسع عشرة مرةً، وهي كلمةٌ لها مدلولٌ محددٌ، فهي تعني حاكمية الأغلبية، ولا تعني بحالٍ حاكمية الشريعة.
ثانيًا: إلا أنه من الإنصاف القول بأن البرنامج قد خطا خطوةً -وإن كانت ناقصةً- نحو إظهار أو إبداء الحكم الشرعي في القوانين، حينما نص على وجود هيئةٍ للعلماء، تبدي الرأي فيما تطلبه منها الهيئة التشريعية، ولكن لم يتضمن البرنامج أي قوةٍ إلزاميةٍ لرأي تلك الهيئة، وصلاحياتها محدودة في إبداء الرأي، وهو ما أكدته تصريحات قيادات الإخوان كالدكتور محمدٍ حبيبٍ ومحمدٍ مرسي، ولا يوضح البرنامج لها أي دورٍ في الاعتراض على القوانين الحالية المخالفة للشريعة، ولا يحدد دورها إلا بإبداء الرأي الذي يعد راجحًا، ولم ينص البرنامج على أنه ملزمٌ، كما أن ما يسميها البرنامج بالهيئة التشريعية لها الحق في تصنيف ما هو من ثوابت الشريعة، وما هو ليس من ثوابتها، والهيئة التشريعية يمكن أن تكون أغلبيتها من المعادين للإسلام كالعلمانيين والشيوعيين والقوميين والنصارى، وبذلك تتلاعب في رأي الهيئة دون رقيبٍ، ولو أريد لهذه الهيئة أن تكون ضامنةً لحاكمية الشريعة لوجب ألا يصدر أي قانونٍ أو قرارٍ إداريٍ أو رئاسيٍ إلا بإقرارها، وأن يكون لها حق مراجعة ما سبق من قوانين وإلغاء ما لا يتفق مع الشريعة منها.
كذلك لم يحدد البرنامج للهيئة أي دورٍ في مراجعة الدستور، الذي يصر البرنامج على قيامه أساسًا على الأغلبية الشعبية [5] ، وأنها هي التي تحدد هل تكون المرجعية للشريعة أو لغيرها، وهي التي تحدد صورة مرجعية الشريعة [6] ، ولما كانت حاكمية الشريعة غير ممكنةٍ في البرنامج جاء تصور هذه الهيئة ضعيفًا.
(يُتْبَعُ)