فهرس الكتاب

الصفحة 7729 من 28557

يعتصرني ألم ممض حين أرى الجبهات المتعددة التي يهاجم منها الإسلام في هذا العصر. فإن الجمع بين ما قدمناه في الفقرتين السابقتين، يظهر لنا أن الأحزاب لم تكن تعمل منفصلة لهدم عرى الإسلام، بل إن قوى الهدم الداخلي كانت كذلك مما تسلط على المسلمين ممن في قلوبهم مرض، وممن نافقوا. والفرق الظاهر اليوم أن النفاق لم يعد له محل في المعادلة، بل هو إما كفر وإما إسلام، وقوى الهدم الداخلي اليوم تتمثل فيمن أعرض عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلق بالإسلام من خلال عقائد بدعية أو أعمال شركية أو أفكار استشراقية مستوردة فكان كلّا على الإسلام وعبئًا. وأمر البدعة ليس كما يظنه البعض أمر يتعلق بممارسة فردية للدين بشكل من الأشكال أو بمنهج أو طريقة من الطرق، بل هو أخطر من ذلك بكثير إذ هو يضرب في كيان هذه الأمة من حيث يضرب في صحة اتباعها لسنة نبيها وكتاب ربها، وأين الفوز دونهما؟ وكما أسلفنا فإن هذه الممارسات العملية أو الفكرية تتمثل في العديد من الطوائف أو الأفراد الذين ينصرون بدعة من البدع يحسبونها دينا يقيمونه وشرعا ينصّبونه.

فمن هؤلاء من هم على عقيدة الإعتزال، يقيمون لأنفسهم معهدا علميا ًعالميًا ويتخذون مقره عاصمة الصليبية، وينشرون منه كتبا وفتاوى تزلزل للمسلمين ثوابت عقائدهم وراسخات ملتهم تحت زعم احترام العقل"يعلم الله عقل من يقصدون!"ويروجون أفكار المعتزلة القديمة للنيل من الأحاديث الصحيحة الثابتة ليتمكنوا من ضرب السنة وثوابتها نصوصا ومنهاجًا.

ومن هؤلاء من انطلت عليهم خدع المرجئة وضلالاتهم من أن العمل قدر زائد على الإيمان، وأن التحاكم إلى غير شرع الله وإنشاء شرع مواز يرجع اليه الناس في أمور حياتهم ويتواضعوا على اتباعه دون تجريم للفعل أو تجريح للفاعل إنما أمر يدور في مجال المعصية كمن يشرب خمرا أو يلبس ذهبًا! وألقوا في وجوه الناس بتهمة"التكفير"ليفتنوهم عما كان عليه سلفهم في مثل هذه القضايا، وأعرضوا عن فتاوى كبراء المجتهدين من أمثال الدوسري وأحمد ومحمود شاكر والشيخ محمد بن إبراهيم رحمهم الله جميعا وغيرهم كثير في هذا الصدد. فكان أن شاعت المعصية وتفشّت، واستبيحت الأعراض والدماء بلا رادع بعد ان استكانت العامة وخُدّرت.

ومنهم من عمل على نشر الصوفية مدعيا أنها معنى الإحسان المقصود في حديث جبريل، وأن علماء السنة الأكابر لم يفتأووا يشيدون"بالسادة الصوفية"وبطرقهم الراشدة التي تقرب الى الله من غير طريق الرسول! ثم استشهدوا بأحاديث موضوعة مثل حديث"عدنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر"والذي هو اليوم من مستحسنات المرحلة الحالية ومطلوباتها، حسب تصور المفتين في العاصمة الصليبية. وقد استغل هؤلاء انشغال أهل السنة بالرد على بدعهم وضلالاتهم عن أن يقدموا للناس معنى الإحسان كما بينته السنة وكما عاشه الصحابة رضوان الله عليهم فكانت الساحة النفسية خالية أمام هؤلاء المبتدعة لتقديم إحسان مشوه ممسوخ للعامة الذين لا يكادون يفقهون شيئًا.

ثم من هؤلاء من ارتدى مسوح"العصرية"Modernization ورداء الدعوة إلى"التقدم"Progress ليقدم بديلا لدعوة الإسلام الحق كما جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما فهمها عنه أصحابه وتابعيهم وتابعي تابعيهم. وقد نبتت هذه النابتة في بعض البلاد الأوروبية من أولئك الذين ولدوا وترعرعوا في أحضان العلمانية اللادينية ثم إذ هم يحاولون أن يقدموا للمسلمين في تلك الأنحاء اسلاما مستسلما مروضا يتعامل مع الواقع المفروض عليه بأن يغير من طبيعته ليتواءم مع ما هو من حوله، ويطلقون على هذا اسم"تطبيع الإسلام"Integration أو"اندماج"الجاليات في المجتمعات الغربية، ولم ير هؤلاء أن أسياد تلك البلاد لن يقبلوا منهم أنصاف الحلول وأن"يعبدوا الهنا يوما ونعبد الههم يوما"وكانت الصاعقة الضاربة لهذا المنهج ما هو وشيك الوقوع الآن في فرنسا من منع ارتداء الحجاب، واملاء فهم محدد للإسلام المتطبع لا يرضى بأقل من الذوبان التام للمسلمين في هذه المجتمعات. ثم أتبعهم زراريهم وصغار ممثليهم ممن يروج للإنخراط في الحياة السياسية والإجتماعية بدعوى"المصلحة"ويعلم الله أن أمثال هؤلاء أقل علما وأضحل فقها من أن يتذرعوا بالمصلحة المرسلة كدليل شرعي إذ هم لا يعلمون ما المصلحة المرسلة وما حدودها وضوابطها، وإنما هي مصلحة فلان وعلان ممن باع نفسه رخيصة في سوق الدنيا.

والحق أن التمسك بكتاب الله على منهج النظر الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع السنة ورفض البدع هو السبيل الوحيد لهذه الأمة في أن تتحد كلمتها وأن تتجمع صفوفها لمقاومة العدوان والقضاء على الظلم والعودة بهذا الدين غلى مجده السالف، أما مناهج"امساك العصا من النصف"والإيمان ببعض الكتاب والكفران ببعضه، فلن تزيد هذه الأمة إلا خسارا، وكما قال صلى الله عليه وسلم"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنّة نبيه"رواه مالك في الموطأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت