فهرس الكتاب

الصفحة 7733 من 28557

ثم بعد سرد هذه الشروط وأقوال كبار العلماء فيها من أمثال بن تيمية وبن عطية والماوردي، لم يعنّ لهم أن يأتوا برد عليها!! فما هو قولهم في هذه الشروط، ولماذا لم تعتبر فيما قرروه في فتواهم، هل يا ترى يقدر المتولي للسياسة المتعاطى لها في الشرق أن يملي ما أراد من أحكام الشرع في واقع الأمر، دع عنك قدرته على ذلك في الغرب؟ هل هذه الآراء لا وزن لها ولا قيمة حتى تترك غفلا لا تعليق عليها؟ وهل جدّ جديد على مناطاتها حتى يتصدى المحدثون ممن لم تصل رتبتهم إلى ما يقرب من رتب هؤلاء الأعلام حتى يتجاوزوا هذه الأقوال فلا يعيرونها التفاتا إلا حكاية لها من قبيل التأريخ، وإيهاما للقارئ البسيط أنها الأمانة العلمية وأنها مردود عليها في ثنايا البحث؟

إن من فقه الفقيه أن يعلم عمن يتناول فتواه وفيما يطبقها، وقد نقلت الفتوى عن الشاطبي قوله:

"لما كان الغالب صدق الظنون بُنيَت عليها مصالح الدنيا والآخرة؛ لأن كذبها نادر، ولا يجوز تعطيل مصالح صدقها الغالب، خوفًا من وقوع مفاسد كذبها النادر، ولا شكَّ أن مصالح الدنيا والآخرة مبنيَّةٌ على الظنون"

وهو حق لا ريب فيه، إلا أننا نسأل أهل هذه الفتوى: هل ترائى لهم أن ينظروا أعمق من النظر السطحي إلى هذه الظنون، وتقديرها قدرها، وتمييز إن كان غالب الظن أن يقدر المشارك في السياسة الشرقية أن يغير مقدار أنملة بله السياسة والقوانين الغربية؟ أم هو محض الإختيار المسبّق لغلبة الظن وأنها تقع في جانب تمكّن المشارك من الفعالية والتغيير؟ ولا يغني عن هؤلاء قولهم أننا قد قيدنا الإباحة بالقدرة، فإننا نقول: إن فتح باب المشاركة على مصراعيه لعوام"الدعاة"بل وعوام الناس في الغرب كي يتصلوا اتصال المشاركة في مضمار السياسة لا يسده سطر في مقال! فهل نظر هؤلاء إلى أولئك الذين اتخذوا من هذه الفتوى ذريعة لتحصيل مكاسب شخصية ومنافع عينية دون مراعاة لتحقيق المصلحة الشرعية الحقيقية لا المتوهمة؟ وهل عرفوا وتحققوا من قدرتهم على نحقيقها ولو بغلبة الظن؟ وهل علموا أن هؤلاء ليسوا على مستوى من الفقه والدراية، ولا نريد أن نقول أنه في كثير من الأحيان ولا التقوى والورع، أن يحققوا المناط الخاص الذي تركت لهم الفتوى تحقيقه. ومعلوم أن العامي ليس له أن يحكم في المناط الخاص إلا إن كان من الأمور الفقهية التى لا تتعدى شخصه كمقدار القهقهة في الصلاة التي يصل بها إلى حدّ الفساد، فكيف يترك لهؤلاء أمر هذا المناط يعيثون فيه ما شاء لهم؟ لو أن المتصدون للمشاركة هم من أمثال الأشقر أو الصاوي أو غيرهم ممن لهم علم بالشريعة، لهان الأمر، ولكن، ألم يعلم هؤلاء المفتين أن بن عباس قد أفتى رجلا بعدم قبول توبة القاتل لمّا استشف من حديثه أنه يعتزم الإقدام على القتل، رغم صحة توبة القاتل شرعًا؟

أن الأدلة الشرعية قد تناولها المفتون بهذه الفتوى على شكل يهيئ لهم ما أرادوه وما سبق لهم الرأي به، فقد قالوا:

"وشرْع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ما ينسخه، كما هو مقرر في كتب الأصول."

وهذا الأصل من أصول الفقه هو مما اختلف فيه العلماء، فقد قرره الأحناف وبعض المالكية والشافعية، ومنعت منه الحنابلة ومعظم الشافعية والمالكية والحنابلة، الذين قرروا أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، كما حققه الغزالي الشافعيّ في المنخول من تعليقات الأصول ص 333، وكما نصره بن قدامة الحنبلي في روضة الناظر وجنة المناظر ص 82 وبعدها، وغيرهم كثير، وقد بينوا حججًا لا تندفع وردوا على ما قدمه الخصم في هذا الصدد، فليرجع لهذه المواضع من يشاء أن يتحقق بالحق ويهتدي بهديه ويخلع عن نفسه ربقة التقليد المذموم. وقد كاد أولى بمن أصدر هذه الفتوى أن يقرر هذا الخلاف وأن يحققه لتكون فتواه أقرب للحق وأتقى لله من مجرد ما ارتآه موافقًا لمذهبه في هذا الموضع، والله يعلم إن كان ممن يتبع هذا المذهب"أن شرع من قبلنا هو شرع لنا"في بقية فتواه؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت