فهرس الكتاب

الصفحة 7734 من 28557

حكى أصحاب الفتوى أن من المعاصرين من يرى الإستثناء من الأصل بالمصلحة؟! فما هي حقيقة هذا الرأي؟! هل نشتم من هذا رأي الطوفي في أن المصلحة تخصص النص؟ إن كان ذلك فقد ردّ على الطوفي هذا القول كل من له علم بالشريعة ولم يقبله منه أي من علماء الأمة بل تفرد به غريبًا غير متبوع، وليرجع من شاء في هذا الأمر إلى الشاطبي في الموافقات وغيره ممن رد على الطوفي في هذا الشأن، وإن كان المقصود هو تخصيص النص بالمصلحة فقد قيد العلماء هذا الأمر بقيود لا ينطبق واحد منها على حالتنا هذه، وإليك مثال من ذلك ما قرره أبو زهرة في هذا المجال، فقال: أما إذا كان الحكم ثابتا بنص ظني في سنده أو في دلالته والمصلحة ثابتة ثبوتا قطعيا لا مجال للشك فيه، وهي من جنس المصالح التي أقرتها الشريعة وملائمة لها فإن المصلحة تخصص النص"أصول الفقه، أبو زهرة ص 268". ونسألكم بالله، أليس الفرض الذي فرضتموه أن المصلحة ليست ثابتة ثبوتا قطعيا بل هي من قبيل المظنونات؟ ولا يقال أن المظنونات هنا تقوم مقام اليقينيات لأن المعوّل على غلبة الظن، إذ نقول أن ذلك إن لم يكن هناك نصّ يتحتم مخالفته فتجرى غلبة الظن مجرى اليقين، ولكن لهذا قيّد أبو زهرة رحمه الله التخصيص بأن"المصلحة ثابتة ثبوتا قطعيا لا مجال للشك فيه"، فما لكم كيف تحكمون؟

ثم أمر قد اختلط علينا في خضم هذه الفتوى، وهو: هل يعتبر مصدرو هذه الفتوى من منظري الإخوان أن الحكومات الإسلامية حكومات جاهلية كافرة، كما يشتم من ثنايا هذه الفتوى، أم أنها حكومات إسلامية تحكم بغير ما أنزل الله معصية لله غير كفر به؟ والرد على هذه الجزئية في غاية الأهمية إذ أن وجه الإستلال على إباحة ممارسة السياسة في الغرب هو فرع عن إباحته في الشرق، كما في ثنايا الفتوى، فهل يا ترى يعتبر المفتون هنا حكم هذه الحكومات كحكم حكومات الشرق؟

القسم الثاني: الردّ المجمل:

يجد القارئ للفتوى أنها عند التحقيق تعود إلى دليلين لا ثالث لهما: قصة النجاشي، وقصة يوسف عليه السلام، وهما ما اعتمدته الفتوى في تقرير الجواز، وهما كذلك ما أورده بعض"الفقهاء المعاصرون"للدلالة على الجواز، ونضيف كذلك أنهما ما قرره سابقا لهؤلاء كتاب"دعاة لا قضاة"المنسوب لحسن الهضيبي رحمة الله عليه. وفي هذا الرد المجمل نود أن نشير إلى قاعدة هامة من قواعد الأصول، وهي ما عبر عنه الشاطبي بقوله:"العمومات إذ اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن الحاجة من غير تخصيص فهي مجراة على عمومها على كل حال"ويقول"لأن ما حصل فيه التكرار والتأكيد والإنتشار صار ظاهره باحتفاف القرائن به إلىمنزلة النص القاطع الذي لا احتمال فيه"الموافقات ج ص306 - 307.

وهذه العمومات الكلية التي انتشرت وتأكدت في الشريعة حتى صارت بمنزلة النص القاطع لا يصح أن تعارضها الجزئيات، وما عارضها كان من قبيل"حكايات الأحوال"أو"قضايا الأعيان"التي يجب أن تنزل منزلتها في فهم الكليّ القطعيّ لا في معارضته. يقول الشاطبيّ تحت عنوان"القضايا الجزئية إذا عارضت القواعد العامة القطعية أوّلت أو أهملت"ما نصه:"إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان أو حكايات الأحوال، والدليل على ذلك ..."ثم يسرد أدلة هذه القاعدة، الموافقات ج3 ص270.

ومن تأمل هذه القواعد الأصولية يمكن للناظر أن يرى موضع هاتين الجزئيتين (النجاشي، وقصة يوسف عليه السلام) التين تعلل بهما المبيحون من القاعدة الأصولية العامة التي لمن يأت بها النص القطعي فحسب، بل انتشرت في الشريعة وتكررت ةتقررت وتأكدت بأن الحكم بما أنزل الله في أعراض الناس وأبشارهم ليس فرعا بل هو أصل من أصول الإسلام، وأن تاركه دون عذر صحيح، والمشرع بغيره للمسلمين ليتبعوه على ذلك هو من الكفر المخرج من الملّة كما بيّن ذلك العديد من علماء الأمة المعتبرين من الطبقة الأولي قديما وحديثًا، فلا يصح أن يقدح فيها قضية عين أو حكاية حال كما هو الوضع في قصة النجاشي أو يوسف عليه السلام، إن صح أنهما معارضتين للقاعدة وهو ما لا يسلّم لهؤلاء كما سنرى في الرد المفصّل بعون الله تعالى.

القسم الثالث: الردّ المفصّل:

أولا: قصة النجاشيّ:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت