فهرس الكتاب

الصفحة 7750 من 28557

الأمر إذن أمر معروف مستقر لا مجال لإفتراض حالات مختلفة بشأنه، كأن يقال إنه إذا حدث كذا وجب كذا وكذا ... فإن الصورة الحقيقية والحالة العامة التي تعرّفنا عليها في هذا الشأن هي ما ذكرنا، وبناءًا عليها، فيما نرى، يجب أن يصدر إجتهاد المجتهدين وتتخرج فتاوى المفتين. والتعبير، أو التكييف الشرعي، لهذه الحالة: أن غلبة الظن هي أن يمارس المسلم الذي ينخرط في مجال السياسة في الغرب ما لا يجوز له شرعًا وأن يخوض غمار الباطل حقيقة وحالًًا طلبًا للوصول إلى حق مُتوَهم مآلًا. ثم لنعرج على مقال الدكتور الصاوى لنختبر مدى صحة نتائجه في ضوء ما قررنًا.

مقال الدكتور الصاوى:

ومناقشة حجج الدكتور الصاوى، فيما توصل إليه من أن المشاركة في العمل السياسي مباحة بشروط وضّحها في ثنايا مقاله، لها وجهان، عام وخاص أو مجمل ومفصّل. فالمجمل أن قارئ المقال يستشعر أن الأصل في قضية الإشتراك في العمل السياسي مباحُ اصلًا، ولكنها إباحة مشروطة بشروط يجب تحققها، وهو ما لا نوافق عليه الدكتور إن كان ذلك هو ما قصد إليه. فإن الدكتور الصاوى قد أورد القواعد الشرعية التي رآى أنها تحكم هذا الموضوع، وهي قواعد صحيحة في ذاتها، ثم عرّج على ما قد يُشوّش عليها بأن أسماها"شبهات"ثم أخذ في الرد عليها تحت عنوان"بعض الشبهات التي ترد على القول بمشروعية هذه المشاركة"! هذا ولا شك يُنشأ إحساسًا، بل يضع اساسا، ً في أن صاحب البحث يرى أن المشروعية هي الأصل المباح وأن ليس على المشارك إلا أن يتحوّط في هذه المشاركة. وهو ما لا نوافقه عليه كما ذكرنا، لا من الناحية العملية الواقعيةا، ولا من ناحية الإخلال بقواعد الولاء والبراء إن أصّلنا الإباحة كأصل معتمد ولو بشروط. فإن الأصل في مشاركة المشركين في نظمهم المنع، بل إن المنع ينسحب إلى حرمة انعقاد النية على الإقامة بين ظهرانيهم على وجه التأبيد بشكل عام، فكيف تؤصل إستباحة مشاركتهم في العمل السياسي بشكل خاص؟! فإن كان الأصل هو المنع، كانت الإباحة إذن مشروطة بحالات خاصة تقدر بقدرها وتعامل على أنها قضايا أعيان تُقبل في حدود ما ومن أفتيت له على وجه التخصيص. . بهذا نضع الإحجام مكان الإقدام والمنع محل المنح، فيما يتعلق بهذا الموقف. أمّا أن يؤصل الأمر على فتوى الاباحة الأصلية ويترك أمر التعيين لمن يريد فهو ليس مما دلت عليه دلائل الشرع وحججه.

وهذا التوجه الذي تبنيناه في عرضنا لما سبق قد أقرّه أخي الدكتور الصاوي من قبل، في رده العميق الصادق على فتوى تحليل التعامل بالقروض الربوية التي أصدرها المجلس الأوروبي للإفتاء مؤتمر رابطة علماء اشريعة بأمريكا الشمالية. فقد ذكر في الوقفة السابعة من المرتكز الثاني ما محصله أن القول بإطلاق الترخيص في هذا الأمر لعموم الجاليات خطأ شرعي، وأن القول بالمنع أولى ثم"على الترخيص في ذلك لمن يقع في حالة احتياج ظاهرة من الآحاد بعد عرض نازلته على من يثق في دينه من أهل الفتوى"وقفة هادئة ص61.

ثم نأتي إلى الرد الخاص أو المفصّل، مقتنعين بقدر محدود من التفصيل لضيق المقام، فإن ما ذكره الدكتور الصاوي من أن المصلحة المطلوبة ظنية، وأن غالب المصالح تبنى على غلبة الظنون! وهو حق لا ريب فيه، ولكن القفز إلى القول بأن غالب الظن هنا أنّ المصلحة متحققة وأن المفسدة خفية أو متوهمة لا مبرر له، ثم راح الدكتور يدلل على أن مسائل الفقه مبناها على مجرد غلبة الظن لا تحققه! والسؤال هنا هو: كيف توصلنا إلى أن غلبة الظن في هذا الأمر هو تحقق المصلحة في المقام الأول؟ وما أورده الدكتور من قول للعز بن عبد السلام حجة للمخالف على الحقيقة، إذ أن غلبة الظن (بل تحققه) هنا هو في وقوع المفسدة للمشارك، وما تحقق المصلحة إلا ظن يسير تشهد بخلافه سوابق الحوادث ومستقرات الخبرة في هذا المجال. وقد رأينا في مقدماتنا ان درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وأن المفسدة في هذه الحالة ظاهرة متحققة لا خفية متوهمة، والعكس أن المصلحة هنا هي الخفية المظنونة. وسبحان الله العظيم! إنّ تحقق المصالح بإشتراك المسلمين في العمل السياسي في شرقنا المسلم لا يزال موضع تتناطح فيه أنظار الكثير من أصحاب النظر والرأي، والمانع منه له حجج لا يشك إمرءٍ في قوتها وضرورة إعتبارها حين مناقشة مثل هذه الأمور، فكيف بمشاركة غير المسلمين

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت