فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
في بلاد غالبيتها العظمى من المشركين، وهي ليست كحال المسلمين في لبنان على سبيل المثال.
وإذا دققنا النظر في فتوى شيخ الأزهر التي أوردها الدكتور الصاوي نرى أن شيخ الأزهر قد نحى قريبا من المنحى الذي أوردناه، إذ بدأ بذكر المنع من مشاركة المسلم في العمل السياسي بشكل قوي جازم، ثم عرّج على ذكر شرط الإباحة بما أظن أنه من المقاييس الذاتية التي لا يَعتمد عليها إمرءٍ إلا في حالات الضرورة أو الحاجة الملحّة، مثل شرط قوة الشخصية و الإيمان، ثم شَرَطَ شيخُ الأزهر شرطًا على الشرط، وهو أن يكون في إنضمامه منفعة يوصلها لجماعته مع شرط آخر هو الحذر والحيطة. وما يؤخذ من ذلك أن شيخ الأزهر متحوط في حديثه أشد التحوط، وأنه يرى مثل ما ذكرت من أن المنع هو الأصل، وهو ما لم يظهر البتة في مقال الدكتور الصاوي.
والدكتور الصاوي قد ذكر أمورًا من المزالق التي قد تعترض طريق المشارك في العمل السياسي، وهي كلها أمور صحيحة لا مجال للإعادة فيها أو الإستدراك عليها. إنما الأمر أمر منطلق التصور في مناطها لا أكثر، فهذه المزالق هي بعينها ما يجعل الأمر ممنوع منعًا أصليًا، لا أنه مباح يُحذر من مزالقه، والفرق كبيرٌ جدّ كبيرٍ بين المنطلقين، مصادرًا ومواردًا.
ومما أجاد فيه الدكتور الصاوي - حفظه الله تعالى - ما ذكره من أن الترخصات في هذا الموضوع مما يدمر مصداقية المسلم أمام نفسه وأمام جماعته، بل أمام الله سبحانه، فنحن أصحاب دعوة لا أصحاب دنيا نصيبها. وحين ذكر الدكتور - وأحسن في ذلك - أن هذا العمل"مزلة أقدام ومدحضة أفهام"فكان لا بد أن يرى بمنظار الفقه ذاته أن تأصيل المنع هنا هو موقف السلامة والرشاد، وأن ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل حق يطلب نشره، وأن على الفقيه أن يعرف ما قد تؤدي اليه فتواه من إشاعة الفوضى والإجتراء على الله سبحانه، وهو لم يقصد إلى ذلك، فإنه إن كانت الموازنة بين المصالح والمفاسد واضحة بينة له، فهي ليست كذلك لغالب من يتصدى للعمل الإسلامي، بله من هو من عامة الناس الذين يريدون أن يتعلقوا بأقلّ مما ذهب إليه الدكتور ليخوضوا غمار هذا الباطل على حساب ما أُفتيَ لهم به.
مرة أخرى نستدل بما قرر الدكتور الصاوي في كتابه السابق، ردًا على التعميم بالإباحة في فتوى المؤتمرين المذكورين - وما صاحبهما من تعضيد الشيخ القرضاوي لهذه الفتوى بعد أن ردها من قبل - يقول الدكتور الصاوي"أن في هذا التعميم من الخطورة والمجازفة ما لا تحمد عواقبه، فإن هذا يفتح الباب واسعًا أمام الجاليات الإسلامية للتفلت من جميع أحكام المعاملات المدنية والمالية والسياسية"وقفة هادئة 68. بهذا المنطق نفسه نقول أنه لا فائدة في التحذير من الخوض في أمر قد فتحنا لهم بابه أصالة، واعتمدنا على فهم آحادهم للشريعة وتقدير عوامهم للعوامل المختلفة المانعة والمرخصة.
ثم أمر آخر، أعياني النظر فيه، يخص النصيحة الطيبة التي بذلها الدكتور الصاوي لكافة فصائل العمل الإسلامي أن لا يحاكموا إخوانهم بناءًا على النظر الأول، وأن يتسامحوا فيما بينهم وأن يعذر بعضهم بعضًا، إلى آخر ما ذكر من طيب القول، وما أعياني هو: هل هناك كتائب أو فصائل من فصائل العمل الإسلامي تتخذ من المشاركة في العمل السياسي في امريكا منهاجًا لها؟ المعروف أن هناك من فصائل العمل الإسلامي من يتخذ الإشتراك في العمل السياسيّ في بلاد المسلمين منهجًا لا يرى فيه الضرر، وهذا أمر معلوم قدر الإختلاف فيه، ولكن هل منهم من نقل هذه القضية الخلافية إلى بلاد الغرب واستخدم نفس الحجج التي إستخدمها من أباحها هناك للمشاركة في العمل السياسيّ في الغرب؟ أم أن الدكتور قد مزج الأمرين معًا، دون قصد إلى ذلك، وقدم النصيحة لهؤلاء وأولئك على حد سواء؟.
الأمر - إذن - أخطرُ شأنًا وأبعدُ أثرًا في حياة المسلمين من أن يُبتّ فيه برأي في مقالٍ أو مقالين، إنما يحتاج هذا الأمر إلى أن يُدرس دراسة وافية من جميع جوانبه، العملية الواقعية والنظرية الفقهية، ثم يُبت فيه برأي مبنيّ على كافة معطيات الواقع وجوانبه. إن ملايين المسلمين وأبناء المسلمين ممن يعيش في هذه الأنحاء، لهم علينا حق التأني في إصدار فتاوى تخص أمورًا قد تؤدي إلى إنهيار ذاتيتهم ومسخ شخصياتهم وطمس هويتهم الإسلامية فنكون عونًا للشيطان عليهم، وكفاهم ما هم فيه من مغالبة للرذيلة التي تحيط بهم من كل جانب. وأنا على ثقة من أن أخي الدكتور الصاوي يعلم تمام العلم ما يرزح تحته هؤلاء من ضغط وما يحيطهم من رذائل، فليس على الفقيه في هذه الحالة إلا أن ينزع - فيما نرى - إلى الحذر والحيطة، وإلى تقديم المنع على الإباحة درأءًا للمفسدة، ثم أن تترك الحالات الفردية لتقدر بقدرها، فيخاف الناس الإقدام إلا في محله. ولا يكفي في هذا أن تسطّر كلمات التحذير بعد أن تثبت الإباحة، فهيهات هيهات أن يرتدع الناس بهذا القدر. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[مجلة المنار الجديد، 2001]