فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لو تستطيع إجابة لبكتك بالدمع الغزير
ويقول حافظ - في نفس المناسبة:
لا رعى الله عهدها من جدود كيف أمسيت يا ابن عبد المجيد
كنت أبكي بالأمس منك فما لي بِتُّ أبكي عليك عبد الحميد
كان الشعور إذًا يتأجج بحب الإسلام , واحترام الخلافة , وتقدير أهمية دور اجتماع المسلمين , وعلى الرغم من اختلاط ذلك بمفهوم الوطنية عند العديد من الكُتاب والمفكرين - كما يذكر الدكتور محمد محمد حسين (رحمة الله عليه) فقد"كانت العاطفة الدينية إذن غالبة مسيطرة , وكان الدين والوطنية توأمان" (الاتجاهات الوطنية , 1/ 61) . وكان إلى جانب هذا التيار وجهتان لا يتعلقان بموضوعنا كبير تعلُّق , وإنما أردنا أن نذكرهما لتتم صورة ما تفاعل في بلادنا في تلك الآونة؛ لينتج ما نعيشه اليوم من أحداث , هذان الاتجاهان هما: الاتجاه الوطني أو القومي , الذي يدعو إلى الاجتماع على رابطة الوطن أو العرق دون غيرهما , كما دعا إليه أحمد لطفي السيد الذي أطلقوا عليه:"أستاذ الجيل"! , وثانيهما: الاتجاه اللاديني الذي نما وترعرع تحت ظل الاتجاه السابق بما دعا إليه من حرية على النظام الغربي الديموقراطي, والتي إنما عني بها"حرية الهجوم على الدين ونشر الإلحاد"! , وتولى كِبر هذا الاتجاه سلامة موسى بشكل سافر , وطه حسين بشكل مستتر , وغيرهما ممن نحا مَنْحاهما فيما بعد.أمر آخر لا يصح إغفاله في هذا المقام , وهو محاولات عدد من حكام المسلمين وملوكهم أن يدعو إلى إعادة الخلافة وتوليها بأنفسهم , كما فعل الملك فؤاد ملك مصر والسودان بشكل غير مباشر , وما دعا إليه البعض من ترشيح الملك الحسين بن علي , وما كان من أمر مؤتمر الخلافة من قبل مصر والأزهر بشكل خاص , مما جعل أمر سقوط الخلافة يبدو في أذهان الكثيرين وكأنه أمر عارض لن يفتأ أن ينتهي , وأن تعود الأمور إلى نصابها مرة أخرى. كذلك فإن هناك عاملًا آخر لعب دورًا مهمًا في تشكيل هذه المرحلة , وهو وجود الاحتلال الأجنبي في بلاد المسلمين بخيله ورَجله , ومحاولاته الدائمة لخلق الشقاق بينهم , وتشتيت شملهم , إما بشكل مباشر أو بتجنيد مَن خلع الربقة منهم؛ ليكون داعية لهم على أبواب جهنم , يفتن المسلمين , ويغمِّي عليهم أمر دينهم , مما أضاف غمة إلى غمة , واضطرابًا إلى اضطراب.
في هذا الخضم - ووسط هذه المعمعة - ظهر الداعية الإمام الشهيد حسن البنا (رحمة الله عليه) ؛ ليؤسس أول مُّع إسلاميّ يقصد إلى تكوين جماعة إسلامية تهدف إلى إحياء الروح الإسلامية وإعادة توحيد صفوف المسلمين بعد أن رأى الهجمة الغربية العنيفة المتمثلة في دعوة أمثال قاسم أمين وأحمد لطفي السيد وغيرهما من دعاة التغريب والتفرنج.
كانت دعوة البنا سهلة ومباشرة , لا خفاء فيها ولا سرية؛ إذ لم يكن هناك ما يدعو إلى خفاء أو سرية آنذاك. وكان البنا يرى - كما أمْلت ظروف المرحلة - أنّ البلاد الإسلامية تمر بأزمة حادة في تطبيق الإسلام على مستوى الفرد , بما هو مشاهَد من تدهور الخلق العام , والبُعد عن شفافية الإسلام وروحه , وعلى مستوى الدولة بما هو قائم من فساد إداريّ وانتشار الرشوة والمحسوبية , والظلم والفساد في تصرفات الحكام وحاشيتهم وأتباعهم. ولكن توصيفه للواقع لم يتعدَّ إلى أبعد من هذا التوصيف: أمة متدهورة في الخلق , وحاكم ظالم يعين على التدهور , قريبًا مما كانت عليه الحال في عهد بعض حكام الأمويين والعباسيين من عربدة الفرد وظلم الحاكم.
كان البنا يرى الداء بهذا المنظار؛ إذ لم يكن - في رأينا - ثَم منظار آخر يوضح الصورة التي يقود إليها الوضع القائم في ضوء ما ذكرنا من معطيات الواقع. فعلي مستوى الفرد , يرى البنا أن المسلمين ينقسمون إلى أربعة أصناف:"مسلم بالبِطاقة , ومسلم بالعقيدة لا يهتم بالناس , ومسلم يأتي بإسلام العقيدة مع بعض العمل الصالح , ثم المسلم"الكامل"الذي يرى الإسلام دينًا ودنيا , علمًا وعملًا" (حديث الثلاثاء , ص498) . ويرى أن مهمة الإخوان هي"أولًا: إقامة أمة صالحة , وثانيًا: إقامة حكومة صالحة" (حديث الثلاثاء , ص357) .والبنا يحشد الإخوان للبيعة للملك فاروق , ويطلب إليه أن يصلح من شأن رعيّته , وأن يقوِّم من اعوجاج حكومته , ووالده الملك فؤاد كان مرشحًا للخلافة , وداعيًا إليها؛ فابنه حريّ - إذن - أن يُخاطَبَ
(يُتْبَعُ)