فهرس الكتاب

الصفحة 7755 من 28557

بالإصلاح , لعلّه يذَّكر أو تنفعه الذكرى! , وكم من ملك ظالم من ملوك المسلمين سمع لعظة الدعاة والعلماء , وانتهى عن ظلمه جزئيًا أو كليًا , والخلافة عائدة عن قريب , والاحتلال (الاستعمار) هو المانع الرئيسي في سبيل عدم إقامتها , والحكام مغلوبون على أمرهم؛ إذ المحتل قابع في ديارهم , فهو حكم اضطرارٍ حقيقي لا متوهَّم , وإرساء أحكام الشريعة قاب قوسين , حين يندحر المحتل (المستعمِر) , وحين يفيق الحاكم , والدور الآن على الدعاة من الإخوان أن يصلحوا أمرهم وأمر الناس , وأن يبنوا النفوس أولًا , والحكام تابعون - بل خاضعون - لذلك الإصلاح ولا محالة.

ولم يكن أمر التحاكم إلى الشريعة مطروحًا , ذلك الطرح الذي فرض نفسه بحكم الواقع - قبل أن يفرضها بحكم الفقه - بُعَيد حصول بلاد المسلمين على الاستقلال , وبعد أن انجلت الصورة , وانقشع غمام الاحتلال , وعادت أمور المسلمين إلى أيدي أبناء جلدتهم , ومَن يتحدثون بألسنتهم , وزالت شبهة الاضطرار , وأصبح الحاكم هو الذي يصر على العمل بالقوانين الوضعية وعلى إهمال الشريعة , بل ويعتقل مَن يدعو إلى غير هذا من تحكيم الشريعة والعودة إلى الأصول , واختفى حديث الخلافة , وأصبح لفظ"الخليفة"مما يتندَّر به الناس في جلساتهم كعُنوان على التخلف , والبُعد عن الحضارة الغربية ورموزها!.

لم يكن البنا - إذن - في وضع يسمح له بالحديث عمّا يجري على ألسنة الجماعات الإسلامية"المعاصرة"من"تكفير"و"توقُّف"و"حكم على المعين", وغير ذلك من القضايا التي أنشأتها معطيات جديدة كل الجدة , سواء أصحت , أم جانبت الصواب , وسواء أوافقت السُّنة , أم خالفتها , فالأمر - في عهد البنا ومنظوره - مختلف كل الاختلاف عما آل إليه أمر المسلمين بعده , ويظلم البنا ويظلم نفسه مَن يحاكم أقواله وتصوراته التي أنشأها واقع الثلاثينات في ضوء معطيات واقع جديد , بدأت تتحدد أبعاده في أوائل الخمسينات , وأُرسيت قواعده , ووضحت أبعاده في السبعينات وما بعدها , إلا لمَن فقد الرَّشَد أو السمع والبصر كليهما!. وما نراه في هذا الأمر أن المرحلة قد هيأت للبنا - إلى حد ما - أن ينتهج مذهبًا"تجميعيًّا"متهاونًا , يُبنَى على تجميع فئات الشعب , وترقية خلقه والتزامه بمفاهيم الإسلام , وإعداده لعهد الخلافة المرتقب آنذاك , بدلًا من أن ينتهج منهجًا"انتقائيًّا", يقرّب به مَن قال بقوله , وانتهج نهجه؛ ليكوّن مجتمع الصفوة الذي يمكن أن يكون قريبًا من ذلك الجيل الفريد الذي أنشأه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي يمكن به أن تنصلح الأمة كما انصلح بمثله ولها. وهذا التصور هو الذي ذهب إليه الشهيد سيد قطب - بعد استشهاد البنا - بسنوات قليلة. وهو منهج يخالف كل المخالفة ما كان عليه البنا جملةً وتفصيلًا.ثم كان ما كان من أحداث قيام انقلاب يوليو عام 1952 في مصر , والضغط على الحركة , فتبدَّلت الأحوال , وتغيَّرت معالم المرحلة تغيّرًا تامًا؛ إذ استقل العسكريون بالحكم , وأُعلنت الأحكام العرفية , واستُبدل الحكم العسكري بالحكم المدنيّ الممثَّل في ممثّلي الشعب المنتخبين بطريق حرّ , وبدأت مرحلة الصدام بين الدولة وبين مَن نحا منحًى إسلاميًا بشكل عام , وبين مَن انتسب للإخوان المسلمين بشكل خاص.أدّى هذا التغيّر إلى ظهور معطيات جديدة على الساحة استتبعت أن يجدد الإسلاميين اجتهاداتهم في رؤية الواقع , وتنزيل الأحكام المناسبة على مناطاتها الصحيحة , فكان منها ما وافق روح المرحلة , ولاءمت اجتهاداته مناط الواقع , ومنها اجتهادات لم توفّق في توصيف الواقع بشكل صحيح , فأخطأت في مناطات فتاواها , ومنها ما خرج عن نطاق السنّة , وانحرف في فهم الأحكام الشرعيّة , ومن ثم في استنباط الفتاوى الشرعية الصحيحة التي تُبنى عليها الحركة. تحصَّل ممّا تقدم أنّ الصّدْعَ الفكريَّ نشأ في مطلع الخمسينات؛ إذ إن الصورة بدأت تتبلور , وتتضح معالمها , من خروج سافر على شرع الله - سبحانه - وبدأ الصراع بين المعسكرين - معسكر الإسلاميين ومعسكر اللادينيين - يتخذ شكلًا علنيًّا سافرًا , وبدأت معه مرحلة التخبّط في توصيف الواقع القائم من ناحية , وفي كيفية مواجهته والتعامل معه من ناحية أخرى. واختلفت منظورات التأويل , فاختلفت معها أُطروحات الحلول. ولم يكن

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت