إن الذين يطمعون في الإصلاح ودرء الفساد عن الأمة بدون هذه السنة - أعني سنة المدافعة مع الباطل وأهل الفساد -إنهم يتنكبون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله عزوجل الذي ارتضاه واختاره لهم , وإن الذين يؤثرون السلامة والخوف من عناء المدافعة مع الفساد وأهله , إنهم بهذا التصرف لا يسلمون من العناء والمشقة , بل إنهم يقعون في مشقة أعظم وعناء أكبر يقاسونه في دينهم , وأنفسهم , وأعراضهم , وأموالهم , وهذه هي ضريبة القعود عن مدافعة الباطل , وإيثار الحياة الدنيا.
والمدافعة بين الحق والباطل تأخذ صورًا متعددة: فبيان الحق وإزالة الشبه ورفع اللبس عن الحق وأهله مدافعة , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدافعة , وبيان سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين مدافعة , والصبر والثبات على ابتلاء الأعداء من الكفرة والظلمة مدافعة , ويأتي الجهاد والقتال في سبيل الله عز وجل على رأس وذروة هذا المدافعات لكف شر الكفار وفسادهم عن ديار المسلمين ودينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.
واليوم لم يعد خافيًا على كل مسلم ما تتعرض له بلدان المسلمين قاطبة من غزو سافر وحرب شرسة على مختلف الأصعدة , وذلك من قبل أعدائها الكفرة , وأذنابهم المنافقين , فعلى الصعيد العسكري تخضع بعض بلدان المسلمين تحت الاحتلال العسكري لجيوش الكفرة المعتدين التي غزت أهل هذه البلدان في عقر دارهم كما هي الحال في أفغانستان والشيشان والعراق وفلسطين وكشمير , وعلى صعيد الحرب على الدين والأخلاق والإعلام والتعليم والاقتصاد لم يسلم بلد من بلدان المسلمين من ذلك.
وقد تقرر عند أهل العلم أن الجهاد يتعين على المسلمين إذا غزاهم الكفار في عقر دارهم , ويصبح واجبًا على كل مسلم قادر أن يشارك في دفع الصائل عن بلده بكل ممكن , فإن كان الغزو عسكريًا وبالسلاح وجب رده بالقوة الممكنة والسلاح , وإذا كان الغزو بسلاح الكلمة والكتاب و المجلة والوسائل الإعلامية الخبيثة بأنواعها المقروءة والمسموعة والمشاهدة منها أقول: إذا كان الغزو من الكفار للمسلمين في عقر دارهم بهذه الوسائل والمعاول الخطيرة والتي يباشر الكفار بعضها وينيبون إخوانهم من المنافقين في بعضها فإن الجهاد بالبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمدافعة والتحصين يصبح واجبًا عينيًا على كل قادر من المسلمين كل بحسبه وحينما نربط هذه السنة ومقتضى أسمائه الحسنى بهذه الأحداث التي تزامنت وتتالت وتشابهت قلوب أصحابها في الهجوم على دين الإسلام وأهله وبلدانه تتضح لنا هذه السنة بجلاء وحينئذ يرتفع الاستغراب مما يقوم به الكفار من هجوم وافتراء على دين الإسلام ويشمر المسلم للدخول في الصراع ضد أعداء الله تعالى بما يستطيع من نفسه وماله ولسانه وقلمه. قال صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم) (رواه النسائي(3045) وصححه الألباني)
الوقفة الثانية: ذكر بعض الحكم والألطاف الإلهية المتجلية في هذه الأحداث
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (وأسماءه الحسنى تقتضي آثارها , وتستلزمها استلزام المقتضي المُوجب لمُوجبه ومُقتضاه , فلا بد من ظهور آثارها في الوجود فإن من أسمائه: الخلاق المقتضي لوجود الخلق , ومن أسمائه الرزاق المقتضى لوجود الرزق والمرزوق , وكذلك الغفار والتواب والحكيم والعفو, وكذلك الرحمن الرحيم , وكذلك الحكم العدل , إلى سائر الأسماء , ومنها الحكيم المستلزم لظهور حكمته في الوجود , والوجود متضمن لخلقه وأمره ,(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ] الأعراف:54[فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره , فمصدر الخلق والأمر عن هذين الاسمين المتضمنين لهاتين الصفتين , ولهذا يقرن - سبحانه - بينهما عند ذكر إنزال كتابه , وعند ذكر ملكه وربوبيته , إذ هما مصدر الخلق والأمر.) (الصواعق المرسلة: 4/ 1564)
اذا تبين لنا هذا الأصل العظيم أيقنا أن ما يجري اليوم من كيد وافتراء وهجوم شرس من الكفار على دين الإسلام فإنما هو بعلم الله تعالى وإرادته (ً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ] الأنعام: 112 [.
(يُتْبَعُ)