فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أما الملخص: ففيه أن السحر انتشر في عهد سليمان وكتبوا فيه كتبًا، فجمعها سليمان حتى يمنعهم منها، ودفنها تحت كرسيه وهو المكان الذي لا تستطيع الشياطين الاقتراب منه، فلما مات سليمان دلت الشياطينُ الناسَ على هذه الكتب، فاستخرجوها من تحت الكرسي وأشاعوا أن سليمان كان يحكم الجن والإنس بها، واتهموا سليمان بالسحر.
فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وذكر نبي الله سليمان قالت اليهود: إن سليمان كان ساحرا، فنزل قول الله ردا عليهم: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: 102) (4) . مما يدل على الحساسية الجاهلية الشديدة تجاه الشريعة الإسلامية.ومن هنا كانت الحرب علي الشريعة.
المضمون العقدي هو أول الأهداف:
كان أول ما تواجهه الجاهلية في هذه الحرب هو مفاهيم الشريعة وتصوراتها باعتبار أن الأفعال لازم من لوازم المفاهيم والتصورات (المضمون العقدي) ، ومن هنا كانت محاولة فصل الشريعة عن هذا المضمون من خلال معركة المصطلحات، الرامية إلى تفريغ التصور الإسلامي من مضمونه العقدي الصحيح، فيتحول مصطلح «الحاكمية» وهو المصطلح الشرعي الصحيح إلى مصطلح «تقنين الشريعة» الذي تحول بدوره إلى «تنقية القوانين» .
-كما كانت السياسة أوسع الثغرات في الحرب على الشريعة، يقول ابن القيم: «وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرَّط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوا مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنه مطابق للواقع ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنها لم تنافِ ما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم.
والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر. فلما رأى أولياء الأمور ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًّا طويلًا وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنقاذها من تلك المهالك ... » (5)
ويؤكد على تلك الحقيقة فيقول: « ... فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه ... » (6) .
وكل ما سبق من أخطار للسياسة على الشريعة إنما كان من ناس يقرون الشرع ويعملون به، وهم الذين يعنيهم ابن القيم فما بالنا بمن بدل الشريعة بالقوانين الكافرة.
وقد مر آنفا في موقف الشياطين من ملك سليمان زعمهم أنه كان قائمًا بالسحر.
ومن خلال استقراء حرب الجاهلية على الشريعة يمكننا أن نقول أن الحرب على الشريعة تأخذ بعدين:
أحدهما: تاريخي يتجهون فيه إلى تاريخ المسلمين وخاصة الأيام التي طبقت فيها الشريعة.
والثاني: واقعي و يعنون فيه بما يحدث اليوم على أرض الواقع.
(يُتْبَعُ)