فتجدهم يعمدون إلى تشويه التجارب التاريخية للفترات التي تم فيها الحكم بما أنزل الله، يصورونها بأنها فترات فتن واقتتال واستبداد،ابتداءً من فتنة علي ومعاوية ومرورا بالخلافة العثمانية وإلى قيام الساعة، حتى أن كتابًا دراسيًّا واحدا يدرَّس فيه للتلاميذ «مساوئ الحكم العثماني» !!! و «النتائج الإيجابية للحملة الفرنسية!!!» ..
ومن ناحية الواقع القائم فإن الحرب على الشريعة تأخذ عدّة صور منها تقديم تجارب فاشلة لها مثلما كان الأمر في بعض البلاد المنتسبة للإسلام، ومن ذلك أنه في ظرف عارض من ظروف الدعوة الإسلامية (في إحدى البلاد) اضطرت السلطة إلى إعلان أن هناك لجان قانونية مختصة لتطبيق الشريعة .. وبعد فترة زمنية طويلة وفي إطار نفس الظروف العارضة اضطرت هذه السلطة إلى إعلان إتمام تقنين بعض القوانين لتكون المفاجأة أن القانون الذي تم إنجازه هو «القانون البحري التجاري» !!!
فرغم أن السلطة كانت تعرف أنه لن يكون من ذلك شيء إلا أنها آثرت أن تكون المهزلة فوق سطح الماء وفي أعالي البحار .. بعيدا عن حياتهم وواقعهم المباشر.
(وفي بلد آخر) أعلن أحد الحكام -لظروف وملابسات سياسية خاصة- تطبيقَ الشريعة الإسلامية ورغم أن الموقف كان مناورة سياسية عارضة وليست موقفًا حقيقيًّا .. ورغم أن ولاء هذه السلطة للغرب لم يتغير فإن الغرب لم يتحمل تلك المناورة .. فذهب الرئيس الأمريكي (7) إليها ولم يرجع إلا بعد قرار الحكومة بإلغاء قرار تطبيق الشريعة.
وفي ظرف آخر أعلنت السلطة (في بلد آخر) عزمها على تطبيق الشريعة!! فإذا بالرئيس الأمريكي (8) يقوم بزيارة سريعة إلى البلاد ليثني أصحاب السلطة عن قرارها؛ فتراجعت السلطة فور الزيارة الخاطفة وأقيمت الاحتفالات للرئيس الأمريكي والتف أصحاب التطبيق المزعوم بزيهم الأفريقي المشهور ورقصوا رقصة آكلي لحوم البشر وهم يجرون في حلقة أمام الرئيس الأمريكي ليرى العالم ويعرف على الطبيعة أصحاب الشريعة!!
فكل هذه تجارب فاشلة في واقعنا المعاصر.
.ومن صور الحرب على الشريعة في واقعنا المعاصر أن يتم الإعلان عن تطبيق الشريعة أو الاستعداد لتطبيق الشريعة فقط من أجل كسب القوة السياسية الإسلامية المتنامية.
ومنها معالجة الضغط الواقع على الشعب الناتج عن التردي الاقتصادي الشديد.
ولذلك تأتي مع الحرب على الشريعة محاولةُ تثبيت النظم الجاهلية البديلة للشريعة، وإضفاء القدسية علي الدساتير الوضعية لتحقيق القناعة بها في ضمير الناس .. وذلك بإعلان أن هناك نظاما للحياة وقوانين حاكمة لا يمكن لأحد الخروج عليها.
ولعل تصوير الفراعنة وهم يتلقون القوانين من الشمس (9) مثال على صنع هذه القدسية، وهو الأمر الذي أثبته القرآن بشأن الكافرين (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود: 87) . والدليل في قولهم (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) ، وكأن هناك نظامًا لحياتهم له قدسية في نفوسهم حتى أنهم لا يستطيعون الخروج عليه.
(1) متفق عليه، البخاري (6085) ، مسلم (6355) .
(2) متفق عليه البخاري (9/ 2) ومسلم رقم 144 عن حذيفة رضي الله عنه.
(3) تفسير ابن كثير (7/ 66) .
(4) تفسير ابن كثير (1/ 136) .
(5) الطرق الحكمية، ابن قيم الجوزية (4/ 373) .
(6) إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية (1/ 18) .
(7) كلينتون.
(8) بوش.
(9) اللوحة الفرعونية لحمورابي وهو يتلقي القوانين من «المعبود» الشمس.