فهرس الكتاب

الصفحة 8187 من 28557

أخي الكريم،

بارك الله فيك .. إنما عنيت الإنصاف في صوغ السؤال .. لكن على أي حال، غفر الله لي ولك ..

اعذرني في تعليق الجواب عن سؤالك حتى ننتهي من التأصيل، فأنا قد دخلت مناظرات كثيرة في مسألة التحاكم هذه، وما وجدت الأسئلة المبنية على أمثلة إلا تزيد الحوار تعقيدًا واضطرابًا .. فكما قيل: أثبت العرش ثم انقش .. ونحن الآن نتحاور في أدلة هذه المسألة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ما ينبغي في كل حوار .. وليس هذا تهربًا، ولكنه ما أراه صوابًا في التحوار البناء.

فاعذرني في تعليقي للجواب حتى ننتهي من التأصيل، من بعد إذنك.

أما بخصوص أجوبتك، فدعني أقول إن في مبحثي الثالث في هذه المسألة دليلًا على ما ذهبت إليه .. فمن الأدلة على ذلك:

1 -تصدير الله - عز وجل - لآيات التحاكم بأمره بالطاعة، وجعل الأمر بالتحاكم ضمن الأمر بالطاعة .. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .. فالتحاكم مطلوب حتى يتضح حكم الله فيُطاع فيه .. وتفيد الآية أنه إن حصل الاتفاق عدم التحاكم.

فأصل المسألة قائم على"الطاعة".. لذلك جعل الله تعالى أمره بالتحاكم ضمن أمره بالطاعة، فجعله شرطًا داخلًا في أمر، لذلك قال"فإن تنازعتم".. أي فإن لم تعلموا حكم الله الواجب الطاعة، فتحاكموا إليه.

إذن فالتحاكم وسيلة إلى الطاعة .. وأعني بذلك أنه من خلاله يعرف حكم الله فيُطاع فيه.

ومن أدلتي كذلك على أن التحاكم غير مطلوب لذاته، وإنما هو للطاعة .. ما جاء في سبب نزول آية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ} [آل عمران: 23] .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت المِدْرَاس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث ابن زيد: على أيّ دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم ودينه. فقالا: فإنّ إبراهيم كان يهوديًّا! فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فهلمُّوا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم! فأبيا عليه، فأنزل الله - عز وجل: {ألم تَر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يُدْعونَ إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يَتولى فريق منهم وهم معرضون} إلى قوله: {ما كانوا يفترون} .

وهذا الحديث مرو بإسناد حسن.

الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا اليهود إلى التوراة لتحكم بينهم .. فهل يقال إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحاكم إلى الشرائع المنسوخة لتفصل بينه وبين اليهود فيما كانوا فيه يختلفون؟؟

ومن أدلتي الأخرى أيضًا ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50]

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن ثابت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} ، الآية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لو بعث إليَّ لأسرعت في الإجابة، وما ابتغيت العذر.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت