ثم قال تعالى: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) [10] ، فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: (قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) .
ومنها قوله تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ) [11] ، فلما صح الإعتراف وبخهم منكرًا عليهم شركهم، بقوله: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا) [12] .
ومنها قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [13] ، فلما صح اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم شركه بقوله: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) .
ولأجل ذلك ذكرنا في غير موضع أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير يراد منها أنهم إذا أقروا رتب عليهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار، لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة) [14] .
وقد ورد في السنة على أن رسول الله صلى الله وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عبيد بن حصين رضي الله عنه قبل أن يسلم: (كم إلهًا تعبد اليوم؟) ، قال: (سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء) ، قال: (فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟) ، قال: (الذي في السماء) [15] .
فلأنهم كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم كان ذلك حجة عليهم، لأن الذي يقر أن الله خالقه ورازقه، لا بد ان يعبده وحده لا شريك له، ومن يعبد الله وحده لا شريك له لا بد أن يعتقد أن الله هو الخالق الرازق ..
فتوحيد الأولهية متضمن لتوحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية داخل ضمن توحيد الإلهية، ولكن قسم التوحيد إلى ربوبية وإلهية لإقامة الحجة وتبيان المحجة للجهلة.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون، وكانوا يعبدون مع الله غيره، ويحبونهم كما يحبونه فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم، فإذا كان هو رب كل شيء ومليكه ولا خالق ولا رازق إلا هو فلماذا يعبدون معه غيره، وليس له عليهم خلق، ولا رزق، ولا بيده منع ولا عطاء، بل هو عبد مثلهم لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا مموتًا ولا حياةً ولا نشورا) [16] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هي العبادة والتأله ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج عليهم به، فإنه يلزم الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية) أهـ [17]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) [18] إلى قوله تعالى: (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [19] : ( ... ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا شريك به غيره) [20] .
قال محمد بن عبد الوهاب التميمي رحمه الله تعالى: (وقد استدل سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية على بطلان مذهبهم لأنه إذا كان هو المدبر وحده وجميع ما سواه لا يملكون مثقال ذرة فكيف يدعونه ويدعون معه غيره مع إقرارهم بهذا) [21] .
قال شيخي ومعلمي العلامة أبو قتادة الفلسطيني أطال الله في عمره وثبت الله خطاه:(وقد قُسِّم التوحيد تقسيمًا ثلاثيًّا، وليس له من سبب سوى الردّ على أهل البدع، وهذا التقسيم هو: توحيد العبادة - ويسمّونها توحيد الإلهية أو الألوهيّة - وتوحيد الربوبيّة، وتوحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد العبادة هو عينه توحيد القصد والطلب، أو التوحيد الإرادي الطلبي، وتوحيد الربوبيّة هو عينه توحيد الإثبات والمعرفة أو التوحيد العلمي الخبريّ، وتوحيد الأسماء والصفات داخل في توحيد الربوبيّة، فإنّ أسماء الله وصفاته هي من ربوبيّته، وهي التي بها استحقّ إلهيّته على خلقه) [22] .
(يُتْبَعُ)