فهرس الكتاب

الصفحة 8216 من 28557

والربوبية والألوهية تارة يذكران معًا فيفترقان في المعنى كما في قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) [23] وتارة يذكر أحدهما مفردًا عن الآخر فيجتمعان في المعنى كما في قوله تعالى: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير الحق إلا أن يقولوا ربنا الله) . وقوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) [24] وقوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) [25] فالربوبية في هذه الآيات هي الإلهية.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير سورة الناس:("رب الناس": هذا معنى ربوبيته لهم وذلك يتضمن قدرته التامة ورحمته الواسعة، وعلمه بتفاصيل أحوالهم وبإجابة دعواتهم وكشف كرباتهم.

"ملك الناس": وأضافهم في الكلمة الثانية إلى ملكه فهو ملكهم والحق الذي إليه مفزعهم في الشدائد والنوائب فلا صلاح ولا قيام إلا به.

"إله الناس": وأضافهم في الكلمة الثالثة إلى إلهيته فهوا إلههم الحق ومعبدوهم الذي لا إله سواه، ولا معبود لهم غيره، فكما أنه وحده ربهم ومليكهم لم يشاركته في ربوبيته ولا في ملكه أحد، فكذلك هو إلههم ومعبدوهم فلا ينبغي أن يجعلوا معه شريكًا في إلهيته كما لا شريك معه في ربوبيته وملكه) [26] .

أما بالنسبة لتوحيد الأسماء والصفات:

وهو الإيمان بما وصف الله نفسه في كتابه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات العلا من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل وإمرارها كما جائت.

وبما أن الجهل آفة أهل الضلال والفتن ومن خلالاله يدخل الشيطان ليلبس على الناس فطرتهم ... قام رؤساء الضلال مممن استوهتهم الشياطين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من أهل الفرقة والضلال فقالوا على الله ما لا يعلمون، وافتروا عليه البهتان المبين، فمنهم من حجد أسماء الله وصفاته، ومنهم من نفى بعضها وأثبت بعضها، ومن من اجتهد في تأويلها فحرفها عن موضعها، فاشتدت الفتن حول أسماء الله وصفاته.

فقام جهابذة أهل السنة المخضرمين - جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا كثيرًا - فأفردوا توحيد الأسماء والصفات بالبحث وجعلوه قسمًا مستقلًا فدحضوا الشبهات، وأنكروا المنكرات، وحاربوا المبتدعات، ورفعوا رآية السنة، فألفوا فيه المؤلفات الكثيرة منها:

كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد.

وكتاب الرد على الجهمية للإمام الدارمي.

وإجتماع الجيوش الإسلامية لإبن القيم.

والصواعق المرسلة له أيضًا.

وكتاب الحيدة لعبد العزيز الكناني، وغيرها من الكتب الكثير.

قال شيخنا العلامة الجهبذ أبو قتادة الفلسطيني:(وهذا التقسيم - أي إفراد الأسماء والصفات بالذكر - سببه ما حصل من أهل البدع من نفي لأسماء الله وصفاته، إمّا نفي لمعناها مع إثبات ألفاظها، أو تأويل معناها مع إثبات ألفاظها، وإمّا نفي لمعناها ولفظها وذلك بعدم جواز نسبتها عندهم إلى الله تعالى كما هو قول غلاة الجهميّة، ومنهم من جعلها مملوكة له كامتلاكه لكلّ خلقه فجعلوا النسبة نسبة ملك كقولهم بيت الله، دابّة الله.

فلمّا حدثت هذه البدع المبيرة أفردها العلماء بالذكر تنويهًا لشأنها وإبرازًا لها في مقابل أهل البدع.

دلّ هذا على أنّ ما هو حقّ لله وحده فهو من التوحيد ويجوز أن يُنسب له، فنقول: توحيد العبادة، ويجوز أن نقول توحيد الشرع، ويجوز أن نقول توحيد الطاعة، ويجوز أن نقول توحيد النّسك، ويجوز أن نقول توحيد الولاء والبراء، فإنّ هذه من حقّ الله على العبيد، ويجب عليهم أن لا يصرفوها إلا لله سبحانه وتعالى) [27] .

كما أفردت مواضيع كثيرة تتعلق بالتوحيد لما كثر اللغط فيها مثل الولاء والبراء، والحاكمية [28] التي هي من صلب التوحيد وغيرها من الموضيع الأخرى التي أفردت وألفت فيها المؤلفات الكثيرة ليعيها الناس ويفهموها بعد أن أثيرت حولها الشبهات، وتحاكم الناس إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واستبدلت القوانين الربانية بالقوانين الوضعية.

قال شيخنا المقدام أبو قتادة الفلسطيني: (وإنّه لمن الضروري كضرورة استنباط توحيد الأسماء والصفات من توحيد الربوبيّة وإفرادها بالذكر أن نفرد توحيد الحكم والقضاء والتشريع بالذكر لمّا صار من معارك كبرى حول حقّ الله على عبيده في الحكم والتشريع وإنكار أهل العصر له.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت