فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أيّها المسلمون، إنّ السّاحة العلميّة والحلائبَ الدعويّة والمجالسَ والمنتدياتِ المعرفيّة والحواريّة ووَحدةَ الأمة المفكّكة لا يزالان في ظَمَأ هائلٍ لترسيخِ حقائقِ التآخي الوَريف والتناصُح الشفيف المرتكزَين على الصّدق والإنصافِ والتواضُع والحِرص على إظهارِ الحقِّ دونَ زُخرفٍ في القول مموَّه، أو باطنٍ بالحسَد مشوَّه، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] .
ومِن الرّوائعِ الكثيرةِ في أدَب أسلافِنا عندَ الاختلاف وحِفاظِهم على المودّة والصّفاءِ والإذعان للحقّ حيث استبانَ وكانَ دونَ تَمَعُّر أو تَنقُّص أو استعلاءٍ ما أوردَه الذهبيّ عن الحافظِ أبي موسَى الصّدَفي أنّه قال: ما رأيتُ أعقلَ من الشافعيّ، ناظرتُه يومًا في مسألةٍ ثمّ افترقنا، ولقيَني فأخذَ بيدي ـ تأمّلوا يا رَعاكم الله، ألا ما أزكاه مِن أدَب ـ ثمّ قال: يا أبَا موسى، ألا يستقيمُ أن نكونَ إخوانًا وإن لم نتّفِق في مسألة؟!، علّق الذهبيّ قائلًا:"هذا يدلّ على كمالِ عَقلِ هذا الإمام وفِقهِ نفسِه، فما زال النُظراء يختَلفون"انتهى كلامه رحمه الله.
ألا مَا أحوجَنا إلى مثلِ هذه الأفهامِ والعقول، وذاك السّمت والهَدي، وتلك المنهجيّة والإصابة، لا كثرة الهَذر والاسترسالِ في الطّعون، وليسَ العهد ببعيدٍ عن سيرةِ أئمّتنا وعلمائِنا، رحِمَ الله أمواتَهم ووفّق أحيَاءَهم.
فيا أهلَ السنّة الميامين، حنَانيكم ببعضكم حنانَيكم، ولُطفًا لطفًا بإخوانِكم، ورِفقًا رِفقًا بالعلماءِ والدّعاة وأهلِ الخيرِ والصّلاح والإصلاح، والقصدَ القصدَ تبلُغوا، فإنّ المنبتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظَهرًا أبقى. ورحِم الله امرَأ أنصَف من نفسِه فبادر باتّهامها، وأنصف إخوانَه فحفِظ ودَّهم، وأحبَّ الخيرَ والإصابةَ لَهم، ولم يُعنِ الشيطانَ عليهم.
إنّ مِن النّبلِ والشّجاعة مواجهةَ إخوانِك بأخطائِهم إن حَصَلت، وإنّ من اللّؤم والخِسّةِ والدّناءةِ الطّعونَ الخلفيّة وبثَّ الكوامنِ النفسيّة وتغليبَ النظراتِ الحزبيّة والاحتكامَ إليها في تقويمِ أهلِ الفضل، فلا يعرِف الفضلَ لأهلِ الفضلِ إلاّ ذووه، وليَكُن ملءَ دواخِلِكم وشغلَ جوارِحِكم قولُ الحقّ سبحانه: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ?للَّهِ وَ?لَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ?لْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْرُحَمَاء بَيْنَهُمْرُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح:29] .
وحيّ هلًا بالنّقدِ العلميّ البنّاء والحوارِ المؤصَّل النّزيه، ولكن مِن المؤهَّلين والأكفَاء، حوارٍ هادف ونصحٍ بنّاء، تحفّه مشاعِر الودّ وترِفُّه نسائمُ الإنصاف، قد خلِيَ من الهوَى والعصبيّة، وعَريَ عن التّصنيف والحزبيّة، وساعتئذ ستكتالُ لكم أمّتُكم جزيلَ الدعاءِ والثّناء، والله وحدَه المستعان، وهو القائل سبحانه: فَأَمَّا ?لزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ?لنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ?لأرْضِ كَذ?لِكَ يَضْرِبُ ?للَّهُ ?لأمْثَالَ [الرعد:17] .
بارك الله لي ولكم في القرآنِ والسنّة، ونفعَني ,غياكم بما فيهما من الآياتِ والحِكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولوالديَّ ووالدِيكم ولجميعِ المسلمين والمسلمات، من جميع الذنوب والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو التوّاب الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله الواحدِ الخلاّق، أمرَنا بالتّآلفِ والوِفاق، ونَهَانا عن سُبُل التفرّق والشّقاق، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً تَملأ النفوسَ مِن الخشيةِ والإشفاق، وأصلّي وأسلّم على نبيّنا محمّد بن عبد الله صلاةً وسلامًا تامّين كاملين ما تعاقب أُفول وإشراق، وعلى آله وصحبِه أئمّة الهدَى باتّفاق، ومَن تبِعهم بإحسانٍ إلى يومِ التّلاق.
(يُتْبَعُ)