الأمة التي اختارها اللّه لحمل رسالته (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ويتناقض مع قول النبي صلى الله عليه وسلم «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» أخرجه البخاري وهو طعن في سلف الأمة وعلمائها وتاريخها فهل يدري الكاتب عن معنى ما يردد من كلام للمستشرقين الحاقدين؟! وإذا أراد الاحتجاج كما يزعم بكلام الحافظ ابن حجر فهاك ما قاله ابن حجر، قال رحمه اللّه في كتاب"مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري"وفي الفصل الأول منه: (اعلم علمني اللّه وإياك أن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة لأمرين أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم ولأن أكثرهم لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار ا. هـ) فهذا كلام ابن حجر وليس فيه إشارة إلى أن يكون السبب سياسيا كما يدعي المستشرقون وينقل هذا الكاتب!!
رابعا: ثم أخذ الكاتب ـ وقد سلّم بحجيّة السنة الشريفة ـ في التشكيك في صحتها وصحة اتصالنا بها أو وصولها إلينا فشكك ـ ويا للعجب ـ بعلم مصطلح الحديث الذي لم يسع حتى أعدائنا إلا أن يسلموا بسلامة منهجيته وصرامة معاييره ودقته وعلميته وهو في عرف هذا العصر: منهج أكاديمي صرف. فأدخلنا في مسائل الظني والقطعي والتي كانت لا تغادر كتب أصول الفقه التي تناولتها بل كانت أشبه بترف علمي في عصور الإسلام المزدهرة فليس لها عند التطبيق قيمة تذكر ثم أخذ الكاتب يلقي الكلام على عواهنه كقوله: (فصحة السند كما يقول علماء المصطلح لا تفيد صحة المتن بالضرورة) وهذا الكلام غير صحيح فالسند الذي لا يفيد بصحته صحة المتن سند منقوص وليس بصحيح بل فيه علة لا تدخله في الصحيح، عندئذ فهو غير صحيح أي لا يقوم على تصحيح المتن الذي يحمله وهذه مسألة متفق عليها عند علماء الحديث قال ابن الصلاح في"كتاب علوم الحديث"والمعروف بـ"مقدمة ابن الصلاح"ـ والذي هو أصل كتب المصطلح التي ألفت بعده على الإطلاق ـ: (الحديث الصحيح هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا) فالذي أشار إليه الكاتب هو السند الذي ظاهره الصحة وفيه علة لا تعطيه الوصف الكامل للصحة وهذا أمر معروف عند أهل الحديث بل عامة الفقهاء ويعرفونه كما يعرفون أركان الصلاة ولا ينقضي العجب حين يقول الكاتب: (ومن الاحتياط الواجب التوقف في القطع بنسبة القول إلى الرسول الكريم) صلى الله عليه وسلم فما هذا الاحتياط المزعوم الذي يستأصل السنة عن بكرة أبيها لأوهام في رؤوس مريضة! ولما هذا الشك؟ لأن (تقويم الرجال صعب لا يمكن أن يفضي إلى جزم كامل) وهذا كلام ينمّ عن جهل شديد بالسنة وكتبها وكتب رجالها التي تعد لا بالعشرات ولا بالمئات بل بالألوف وهي ما بين جزء صغير ومجلد وكتاب مؤلف من سبعين مجلدا فيأتي هذا الكاتب ليلغي جهود أربعة عشر قرنا وجهود عشرات الآلاف من العلماء الأفذاذ بوهم وفكر مريض جلاه قوله: (فكم من راو عدله البعض ومدحه بأفضل الفضائل وذمه البعض الآخر واتهمه بالوضع والكذب كما يعرف من له أدنى اطلاع على هذا العلم العصي) فواللّه الذي لا إله إلا هو لهذا هو الكذب الصراح أو الجهل المدقع بعينه فإن من له أدنى اطلاع على هذا العلم الجلي يعرف أن لعلم الجرح والتعديل علماؤه المعروفون بعلمهم الغزير ومنهجهم القويم الواضح فما تناقضوا في أقوالهم كما يزعم هذا الكاتب فلا يوجد رجل وثقه عالم معتبر عند أهل هذا الفن وكذبه عالم معتبر آخر ـ إلا في حالات نادرة وقد حرر العلماء المحققون مثل الذهبي وابن حجر هذه الأحوال النادرة فانعدمت المشكلة واضمحلت ـ ولكن مما يخفى على هذا الكاتب ـ وأمثاله ممن ليس لهم معرفة بهذا العلم ـ أن الكلام في الراوي يتضمن مجموعة أشياء أهمها: ضبطه وعدالته وقد يكون الرجل عابدا زاهدا عدلا في نفسه فيمدحه أحد العلماء على ذلك ويتعرض آخر لضبطه إذ يكون ممن لا
(يُتْبَعُ)