فهرس الكتاب

الصفحة 8318 من 28557

فأجاب بقوله: (سبحانك اللّهم لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم) جرت المذاكرة في كون مكّة بلد كفر أم بلد إسلام.

فنقول - وبالله التّوفيق: قد بعث الله محمّدًا - صلّى الله عليه وسلّم - بالتّوحيد الّذي دين جميع الرّسل، وحقيقته هو مضمون شهادة أن"لا إله إلاّ الله"وهو أن يكون الله معبود الخلائق، فلا يتعبدون لغيره بنوع من أنواع العبادة، ومخ العبادة هو الدّعاء، ومنها: الخوف والرّجاء والتّوكّل والإنابة والذّبح والصّلاة، وأنواع العبادة كثيرة، وهذا الأصل العظيم الّذي هو شرط في صحّة كلّ عمل.

(والأصل الثّاني) : هو طاعة النّبي - صلّى الله عليه وسلّم - في أمره، وتحكيمه في دقيق الأمور وجليلها، وتعظيم شرعه ودينه، والإذعان لأحكامه في أصول الدّين وفروعه:

(فالأوّل) : ينافي الشّرك ولا يصحّ مع وجوده.

(والثّاني) : ينافي البدع، ولا يستقيم مع حدوثها.

فإذا تحقق وجود هذين الأصلين علمًا وعملًا ودعوةً، وكان هذا دين أهل البلد، أيّ بلد كان، بأن عملوا به ودعوا إليه، وكانوا أولياء لمن دان به، ومعادين لمن خالفه، فهم موحدون.

وأمّا إذا كان الشّرك فاشيًا، مثل: دعاء الكعبة والمقام والحطيم، ودعاء الأنبياء والصّالحين، وإفشاء توابع الشّرك، مثل: الزّنا والرّبا وأنواع الظّلم، ونبذ السّنن وراء الظّهر، وفشو البدع والضّلالات، وصار التّحاكم إلى الأئمّة الظّلمة ونواب المشركين، وصارت الدّعوة إلى غير القرآن والسّنة، وصار هذا معلومًا في أيّ بلد كان، فلا يشكّ من له أدنى علم أنّ هذه البلاد محكوم عليها بأنّها بلاد كفر وشرك، لا سيّما إذا كانوا معادين أهل التّوحيد، وساعين في إزالة دينهم، وفي تخريب بلاد الإسلام.

وإذا أردت إقامة الدّليل على ذلك وجدت القرآن كلّه فيه، وقد أجمع عليه العلماء، فهو معلوم بالضّرورة عند كلّ عالم.

وأمّا قول القائل: ما ذكرتم من الشّرك إنّما هو من الأفاقية لا من أهل البلد، فيقال له أوّلًا: هذا إمّا مكابرة وإمّا عدم علم بالواقع، فمن المتقرر أنّ أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد في دعاء الكعبة والمقام والحطيم، كما يسمعه كلّ سامع ويعرفه كلّ موحد.

ويقال ثانيًا: إذا تقرر وصار هذا معلومًا، فذاك كافٍ في المسألة، ومن الّذي فرق في ذلك؟ ويا لله! العجب إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادهم، ولا تقدرون أن تصرحوا بدينكم، وتخافتون بصلاتكم، لأنّكم علمتم عداوتهم لهذا الدّين وبغضهم لمن دان به، فكيف يقع لعاقل إشكال؟! أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو المقام أو الحطيم ويدعو الرّسول والصّحابة: يا هذا لا تدع غير الله، أو أنت مشرك، هل تراهم يسامحونه أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل أنّه ليس على توحيد الله، فوالله ما عرف التّوحيد ولا تحقق بدين الرّسول - صلّى الله عليه وسلّم -. أرأيت رجلًا عندهم قائلًا لهؤلاء: راجعوا دينكم، أو اهدموا البناءات الّتي على القبور، ولا يحلّ لكم دعاء غير الله، هل ترى يكفيهم فيه فعل قريش بمحمّد - صلّى الله عليه وسلّم -؟ لا والله، لا والله.

وإذا كانت الدّار دار إسلام، لأيّ شيء لم تدعوهم إلى الإسلام، وتأمروهم بهدم القباب واجتناب الشّرك وتوابعه؟ فإن يكن قد غركم أنّهم يصلّون أو يحجّون أو يصومون ويتصدّقون، فتأمّلوا الأمر من أوله، وهو أنّ التّوحيد قد تقرر في مكّة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل - عليهما السّلام - ومكث أهل مكّة عليه مدّة من الزّمان، ثمّ إنّه فشا فيهم الشّرك بسبب عمرو بن لحي، وصاروا مشركين، وصارت البلاد بلاد شرك، مع أنّه قد بقي معهم أشياء من الدّين، وكما كانوا يحجّون ويتصدّقون على الحاج وغير الحاج.

ولقد بلغكم شعر عبد المطّلب الّذي أخلص فيه في قصّة الفيل، وغير ذلك من البقايا، ولم يمنع الزّمان ذلك من تكفيرهم وعداوتهم، بل الظّاهر عندنا وعند غيرنا أنّ شركهم اليوم أعظم من ذلك الزّمان، بل قبل هذا كلّه، أنّه مكث أهل الأرض بعد آدم عشرة قرون على التّوحيد، حتّى حدث فيهم الغلوّ في الصّالحين فدعوهم مع الله فكفروا، فبعث الله إليهم نوحًا - عليه السّلام - يدعو إلى التّوحيد.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت