فهرس الكتاب

الصفحة 8586 من 28557

إن كل ذلك لا يسر الليبراليين , بل بقاء الوضع كما هو دون توجيه أي ملاحظة عليه هو مطمحهم وما يرمون إليه فمن المؤكد أن من أمانيهم أن تخسر الهيئة ثقة الناس وثقة الدولة بها , وأن لا يكون لقراراتها أثر على قرار الدولة أو على المجتمع , نعم هذا ما يريده الليبراليون وهذا ما لا يريده المقال.

فإن قيل: إن مجرد النقد ولو كان حقا مما يسر به الليبراليون, فهذا ما ليس بحق أبدا ولا يقول به إلا من لا يعرف عن الليبراليين ومقاصدهم شيئا البته ,فالليبراليون لا يريدون منا أن ننقد أنفسنا , لأن التجربة الليبرالية في العالم من أكثر التجارب الفكرية استفادة من النقد الداخلي , وهم يريدون أن يتولوا هم نقدنا لا أن نتولاه بأنفسنا , فهم يعرفون ما لنقد الذات من الأثر في التصحيح , أما النقد الخارجي فله آثار سلبية منها تمسك الطرف الآخر حتى بعيوبه , ولهذا يهتمون بنقدنا.

لقد تأخرنا في نقد أنفسنا كثيرا , فهيئات الأمر بالمعروف للأسف لم نقم نحن بنقدها , بل قاموا هم بهذه المهمة , لكن الذي يثلج الصدر في تجربتنا معهم في نقد هيئة الأمر بالمعروف: أن تأثرنا بنقدهم كان إيجابيا ,ولقيت الهيئة من الإصلاح الداخلي ما نرفع به الهامات وأعتقد أن هذه الإيجابية في تعاملنا مع نقدهم للهيئة لم تكن لتكون هكذا لولا أن جهات نافذة في الدولة وقفت مع الهيئة وأرادت لها الإصلاح حقا , فيا ترى لو أن الليبراليين انتقدونا يوما من الأيام من زاوية أخرى, ثم لم نجد من مؤسسات الدولة من يشد من أزرنا فيها , هل سيكون لنقدهم إيانا أثر إيجابي كما حصل لنا مع الهيئة؟

قد ينكر البعض ممن سيقرأ ما أكتبه أن يكون للحملة التي شنتها الصحافة الداخلية والدولية منذ سنوات أي أثر فيما جرى في الهيئات من إصلاح , وهذا فيما يبدوا لي نوع من التكبر على الواقع , وهو عيب آخر ينبغي أن نبادر في إنقاذ أنفسنا منه.

قليلا وسيشن الليبراليون حملتهم على القضاء وألدعاة والعلماء والمتدينين وسوف يجدون من المثالب ما لا يخفى على أحد منا , فهل تنصحون أن نبدأ نحن في نقد قضائنا نقدا بناء محاولين إصلاحه أم ننتظر حتى يشنوا حملتهم وحينذاك لن نملك إلا الوقوف مدافعين وسوف نضطر أن نكون في بعض المواقف كذابين.

لماذا لم نقرأ لأحدنا نقدا لبعض التجاوزات والأخطاء في نظامنا القضائي , بل لما انتقد الشيخ عبد المحسن العبيكان وهو عالم وله تجربة قضائية بعض الأمور في النظام القضائي قامت عليه الدنيا ولم تقعد , ولماذا لم نقرأ لأحدنا مقالا ينصح فيه الدعاة مما اشتهر عند الناس من بعضهم من التجاوزات الأخلاقية التي أصبحت مثارا للنكت , والتجاوزات المالية التي يسوغها بعضهم لنفسه عن طريق نفق التأويل.

أسوق هذا الكلام لأقول من خلاله إنه حتى نقد الليبراليين ليس شرا محضا , وكان الواجب علينا بدلا من الذعر من نقدهم لنا أن نفكر كيف نستفيد من النقد بدلا من أن نجعل التشبيه بالليبراليين سوطا نرفعه على كل ناقد.

وزعم بعض الإخوة أنني أسأت للعلماء , وكيف أسيء للعلماء وأنا أعرف حقهم علي وأعرف فضل وجودهم على الأمة , لكن من قال ذلك من الإخوة لا يستطيع أن يقدم لنا تعريفا للإساءة, أما أنا فأعرف الإساءة للعالم بأنها غيبته أو بهتانه في دينه وخلقه وأهله , أما نقد بعض توجهاته العلمية وأعماله العامة فيما يتعلق بالأمة فليس هذا من الإساءة في شئ لاسيما إذا كان الناقد من محبي العلم والحريصين على المؤسسة العلمية ودورها في الأمة.

وما قلته عن أعضاء هيئة كبار العلماء لم يكن على التعميم لفظا أو قصدا, كما أنه لا يتعلق إلا فيما يخص أدائهم فيما أنيط بهم وليس في أدائهم التطوعي أو في سلوكهم الخاص.

فإذا قلت إن بعض العلماء لا يحررون ما يطرح عليهم من مسائل , فأنا أعني ما أقول وليس هذا ولله الحمد عاما في الجميع بل هم الأقل , ولكنهم موجودون ويجب أن ينتبهوا إلى أن عدم تحريرهم للمسائل التي تطرح أمامهم سيعود بالضرر على سمعة الهيئة بل على سمعة العلم الشرعي والثقة بالعلماء.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت