لن أترك هذا المقام دون مثال وسيتذكر الجميع ما يشابهه من أمثلة , فالمعروف أن الرجم لا يصح قبل الزوال في اليوم العاشر وما بعده من أيام التشريق , ورغم ما حاولته الصحافة من ضغط على العلماء للفتوى بغير ذلك على مدى سنين فقد ظلت فتواهم على وفق رأي الجمهور دون تغير , وقبل ثلاث سنوات جاءت حادثة الجمرات الشهيرة , وفي ظرف أربع وعشرين ساعة بعدها ظهرت فتوى من بعض أعضاء الهيئة بجواز الرجم قبل الزوال بحجة الضرورة.
وكان هذا مثالا صارخا للعجلة وعدم التحرير , أما العجلة فقد كان لهؤلاء العلماء مندوحة عن السرعة في إصدار الفتوى بأن الحاجة إلى تلك الفتوى لن يأتي وقتها إلا بعد اثني عشر شهرا , ألم يكن بإمكانه أن يصبر شهرا واحدا على الأقل؟
أما عدم التحرير فيتضح من كون من أفتى بهذه الفتوى من العلماء لم ينتظر حتى ينكشف له السبب الحقيقي لما حصل من التزاحم , هل كان حقا سببه عدم الرجم قبل الزوال حتى نفتي بالرجم في ذلك الوقت للضرورة.وبعد شهر أعلنت الجهات المختصة أسباب هذا التزاحم فكان ناتجا عن أسباب عدة مجتمعة ولا يعود إلى منع الرجم قبل الزوال وحده الأمر الذي يقطع دعوى الضرورة.
اخترت هذا المثال لأنني واجهت بسببه تساؤلات كثيرة من الناس , كقولهم: كيف كان الرجم قبل الزوال حراما أمس وأصح اليوم حلالا , ألا يعرف العلماء أنه حلال حتى يموت عدد من المسلمين؟ ألا يمكن للعلماء أن يغيروا فتاواهم حتى تراق الدماء؟
هكذا كانت ترد التساؤلات , وهي تساؤلات قوية من عامة الناس تهدد مكانة المشايخ في نفوس الناس وإن أنكرنا ذلك فهي مكابرة.
بقيت مسألة وهي: هل لأعضاء الهيئة الإفتاء بخلاف قرارها , والجواب محل نظر ويسع فيه الخلاف , وليس لمن ثرب علي حق في التثريب كما أنني لا أثرب على من رأى خلاف رأيي في هذه المسألة , والمخالفون لقرار الهيئة إما أن يكونوا قد سجلوا مخالفتهم في محضر الهيئة , أو أنهم ممن وقع على القرار ثم بعد أن عمل ولي الأمر بخلافه بدا لهم رجحان خلاف ما وقعوا عليه فبادروا بالإفتاء على خلاف ما وقعوا عليه.
فالفئة الأولى أظن أن الخطب معهم أيسر , وإن كنت أرى أن الأليق بهم والأحفظ لمكانة الهيئة أن يؤازروا القرار , وقول بعض الإخوة إنه لا ينبغي عليهم كتم العلم , ليس محله هنا ,فهم لم يكتموا العلم بل بينوا رأيهم في المسألة في محضر الهيئة فزال عنهم حرج كتمان العلم , وبقوا في مسألة أخرى وهي , هل يرون تنفيذ رأيهم وعمل الدولة بفتواهم أو يرون أن تعمل الدولة بقرار الهيئة؟
الذي يظهر لي أن عليهم بحكم انضمامهم لهذه الهيئة أن يساهموا في العمل على تقويتها وشد أزرها لاسيما في هذه الظروف التي تحتاج الأمة إلى التماسك فيه وخير ما يمكنها من التماسك توحد الفتوى في الأمور الفقهية العامة وأن يؤثروا العمل بقرار الهيئة على العمل بفتواهم.
أما الفئة الأخرى الذين وقعوا على القرار ثم رأوا خلافه , فالأجدر بهم إذا تراجعوا أن لا يعلنوا تراجعهم لأمرين:
أحدها: أن في ذلك ما يدعوا إلى إساءة الظن بهم لدى العامة الذين سوف يقع في خلدهم أنهم إنما تراجعوا مجاملة لجهات مسئولة لا للدليل ولا شك أن حفظ العرض من أقاويل الناس مطلب سعى إليه سيد العلماء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقف لأجله عن اتخاذ قرارت عدة لا تخفى على طلاب العلم.
الثاني: مع مرور الزمن سيضعف مثل هذا التصرف من مكانة الهيئة لدى عدد من الجهات الرسمية إذ سينمو الشعور بأن الهيئة ترفض الأمر فإذا صار واقعا قبل به أعضاؤها.
وهذا الرأي مني مبني على أن الهيئة كما أفهمها مؤسسة حكومية تقوم بدور تشريعي في الدولة فما يصدر عنها من قرارات هي قرارات تشريعية وليست فتاوى مجردة , فالهيئة كما ينص عليه نظامها الأساس لا تفتي لعموم الناس وإنما تفتي لولي الأمر.
جاء في الأمر الملكي الذي أسست بموجبه هذه الهيئة الصادر في 8/ 7/1391هـ:
ثالثًا: تتولى الهيئة:
أ -إبداء الرأي فيما يحال إليها من ولي الأمر من أجل بحثه وتكوين الرأي المستند إلى الأدلة الشرعية فيه.
ب -التوصية في القضايا الدينية المتعلقة بتقرير أحكام عامه ليسترشد بها ولي الأمر وذلك بناءً على بحوث يجري تهيئتها وإعدادها طبقًا لما نص عليه في هذا الأمر واللائحة المرافقة له.
وبذلك يعلم الأخ الكريم الذي ظن أنني أقول ينبغي أن يفتي العالم الناس بخلاف ما يرى, يعلم: أن الناس فيما يتعلق بقرار الهيئة لن يستفتوا العالم لأن فتواه في القضايا العامة التي تتعلق بولي الأمر , فقضية إنشاء المسعى الجديد , ليس من واجب العالم أن يجيب من سأله هل يصح إنشاء المسعى الجديد أم لا يصح؟ لكن من حقه أن يفتي بعدما يصبح المسعى الجديد جاهزا بإ جزاء السعي فيه , والفرق بين هذين الأمرين لا يتضح إلا لطلاب العلم.
ومن الإخوة من حصر اعتراضه علي في جدوى نشر مثل هذا المقال ورأى أنه ليس من المستحسن نشره وأنه ليس كل ما يعلم يقال , وهذا الأخ له توجه في حفظ مكانة الهيئة صحيح إذ يرى أن نقدها على الملأ مما يزيد الأمر سوءا , لكنني مع قولي بصحة توجهه وعملي بهذا التوجه في كثير مما يدور بخلدي من آراء إلا أنني لا أرى أن مثل هذا النقد مما يزيد الأمر سوءا , لأنه وللأسف مما شاع وذاع بين الناس , وأصبح العامة يتندرون به , ولعل هذه العبارة تزعج القارئ حين يقرؤها كما أزعجتني وأنا أكيبها لكنها هي حكاية الواقع , وما ذنبي إذا كانت الحقيقة مرة , وإذا كان الأمر بهذه الدرجة من الذيوع بين الناس فينبغي مواجهته بقوة.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين
(يُتْبَعُ)