فهرس الكتاب

الصفحة 8735 من 28557

فالإسلام في علاجه لأمراض الأمة يهدف إلى إعادة بناء الفرد والأمة بناء صحيحًا أساسه العدل الرباني، فالإسلام إيمان يعمر دنيا الناس وعقيدة تخلق حضارة وعبادة تربي أمة. وبغير هذا المنهج فستبقى أمراض الأمة مستعصية على العلاج، فعلى الأمة أن تتميز بهويتها وأن توجد لها الاستقلالية في سلوكها ونظرتها وتفكيرها وأن تتناول حل مشاكلها وإدارة أمورها بهذه النظرة بعيدة عن الحلول المستوردة المعلبة.

ثانيًا: التوجيه الإسلامي الشامل:

أصبح الإعلام من أقوى الأسلحة التي تحرص الأمم على امتلاكها وتتسابق في ميدانها لأنه قادر على صياغة اهتمامات الناس وأفكارهم وتغيير سلوكهم، ومع الأسف أن الغالب في الإعلام المعاصر هو الإعلام غير الإسلامي الذي يقود الأمة للخنوع لأعدائها بل تكون بوقًا لهم وقد وقع المسلمون في أسر هذا الإعلام الذي دفع بعض أبناء الأمة إلى التنكر للإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا وحضارة وقد توصل هذا الإعلام إلى هذا عن طريق وسائل كثيرة:

ـ فحقائق الإسلام عرضها هذا الإعلام عرضًا باهتًا يفهم منه حصر الإسلام في طقوس وشعائر لا علاقة لها بشأن من شؤون الأمة.

ـ والأفكار التي يقوم بنشرها الإعلام المعاصر لا تجد بينها غذاء فكريًا جيدًا بل أكثرها أفكار تدعو الإنسان للانشغال بقضاياه الخاصة ولا اهتمام له بقضايا الأمة.

ـ وأما الأخلاق التي ينشرها الإعلام المعاصر فهي أخلاق الفضائح الاجتماعية والجنس.

ـ وأما في نطاق الفرد وقدرته على التغيير ومواجهة التحديات فقد أكد الإعلام المعاصر على ترسيخ اعتقاد عدم قدرة المسلم على فعل شئ في مواجهة الواقع وأن التصرف الواقعي هو الاستسلام لما هو كائن.

والعمل الإسلامي لا يملك في مواجهة هذا الإعلام الفاسد إلا سلاح الدعوة والبيان.

والخلل الذي أحدثه هذا الإعلام يحتم على العمل الإسلامي أمرين:

الأول: أنه لم يعد يكفي الاعتماد على الجانب العقيدي وحده أو التشريعي وحده أو السلوكي وحده لمجابهة الأزمات بل لا بد أن تتمشى الخطوط الثلاثة متكاملة متوازنة متعانقة لمعالجة السقوط الذي تعيشه الأمة في جميع مناحي الحياة، وهذا يعني أن يكون الخطاب الإسلامي خطابًا شاملًا يكشف الحق الملتبس ويبينه للأمة في صورة بلاغ مبين شامل ثم ينتقل بالدعوة من مرحلة المبادئ إلى مرحلة البرامج فيقدم المشروع الحضاري الإسلامي الأصيل بديلًا عن الأنظمة الفاسدة.

الثاني: لا يكفي كثرة الكلام على الورق أو الشفاه بل لا بد أن تكون الكلمة مقالة مؤثرة تبث أفكارا لها كثافة الواقع ووزنه في طريق التغيير إلى الأصلح.

إن التوجيه الإسلامي الشامل يصوغ المسلم القادر على إحداث التغيير والإصلاح ففي الأخلاق والقيم فالتوجيه الإسلامي يقدمها على أنها نظام متكامل لحياة شاملة، نظام يوجه ويضبط كل النشاط الإنساني في شتى جوانب الحياة. وأما الأفكار فإن التوجيه الإسلامي يركز على أن مهمة الأمة إخراج البشرية من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده وأن أمانة الرسالة تحتم على المسلمين أن يكون كل واحد على ثغر من ثغور الإسلام. وأما قدرة الفرد على التغيير فالتوجيه الإسلامي الشامل يقوم على تعميق الإحساس بضرورة التغيير مع بث الثقة في أفراد الأمة وقدراتهم وإمكاناتهم التي تؤهلهم لحمل مسؤولية التغيير.

بهذا التوجيه الشامل وبهذه الطريقة في التفكير والعمل يستطيع المسلمون أن يستعيدوا هويتهم الإسلامية وأن يعودوا من جديد لإخراج البشرية من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

ثالثًا: التربية الإسلامية الشاملة:

في سبيل إعادة هوية الأمة لا بد من التربية الإسلامية الشاملة، وهذه التربية منهج نبوي أصيل بدأت في مكة قبل أن تكون للإسلام كلمة نافذة في المجتمع واستمرت التربية في المدينة ولم يكف النبي صلى الله عليه وسلم عن تربية الأمة حين قامت الدولة بل استمر يربي الأمة حتى آخر لحظة. فلا بد للأمة في عودتها إلى هويتها الإسلامية الأصيلة من أن تمتلك منهجًا تربويًا شاملًا تستطيع من خلاله صياغة الفرد المسلم بما يتفق وأهداف الإسلام ويلبي حاجات الأمة الإسلامية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت