وعقب نكسة 1967، وحتى عام 1971م تعززت العلاقات الاقتصادية بين إيران وإسرائيل، حيث امتنعت إيران عن وقف صادراتها النفطية إلى إسرائيل, بل إنها عوضت النقص الحاصل في الطاقة بسبب استخدام الحرب للحظر النفطي, فأفشلت إيران استخدام سلاح النفط في المعركة القومية. وعلى صعيد آخر كانت إسرائيل تحصل على 40 مليون دولار من النفط الإيراني سنويًّا سواء عن طريق مروره في فلسطين، أو عن طريق تصريف منتوجاته, كما أن خط (إيلات- أشدود) كان ينقل حوالي (60) مليون طن من النفط الإيراني منذ عام 1968م حتى عام 1971م.
وهكذا عملت إيران على دعم الكيان الصهيوني من الناحية الاقتصادية بعد عدوان الخامس من حزيران 1967م, في الوقت الذي كانت فيه إيران تتلقى المساعدات الخارجية من الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى صعيد آخر تعززت العلاقات العسكرية الاستخباراتية بين إيران وإسرائيل كثيرًا بعد عام 1967م، وذلك من خلال خرق إيران للحدود مع العراق (1968 - 1979م) ، وللمعاهدات مع العراق حول شط العرب، وذلك طمعًا في الأراضي والمياه العراقية، وفي الخليج العربي، ولإجبار العراق على سحب قواته من الجبهة الإسرائيلية, إلى جانب قيام إسرائيل بتزويد إيران بـ (50 طائرة جديدة فانتوم) ، وبمعدات سوفيتية كانت قد استولت عليها عام 1967م.
وعلى الصعيد الاستخباراتي عززت الحكومة الإيرانية علاقاتها مع إسرائيل، واتفق الطرفان على أن يزود كل طرف منها الآخر بالمعلومات الاستخباراتية عن الأقطار العربية, أحاط الشاه نفسه بعدد من المستشارين الصهاينة، الذين كان يستفيد من خبرتهم في المجال الأمني والاستخباري.
وقد شجعت هذه العلاقات الوثيقة بين إيران وإسرائيل, الحكومة الإيرانية على الاستيلاء على الجزر العربية الثلاث من دولة الإمارات العربية المتحدة, مستغلة انشغال الأقطار العربية بمواجهة إسرائيل, بعد انسحاب بريطانيا من منطقة الخليج العربي.
ثانيا: دور إسرائيل في احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث:
جاء الاحتلال الإيراني للجزر العربية الثلاث تحت ذرائع ومبررات نظرية واهية لا تملك مقومات الصمود أمام الحقائق التاريخية والقانونية التي تؤكد كلها أحقية دولة الإمارات العربية المتحدة في هذه الجزر, وتزامن الاحتلال الإيراني للجزر العربية الثلاث مع انسحاب بريطانيا من منطقة الخليج العربي وشرقي السويس, مما يؤكد حقيقة الترابط بين ضمان المصالح الغربية في المنطقة من جهة, وتوكيل إيران بالدور الذي كانت تقوم به بريطانيا قبل انسحابها من جهة ثانية, فأضحت إيران الشاه هي المكلفة بأداء الدور الإقليمي لدولة كبرى تراجعت في ظل متغيرات عديدة إلى دولة ثانية, فاستلزم ذلك تغيير الاستراتيجية الغربية، وتكليف إيران بمهمة الدولة الحامية للمصالح الغربية, وضمان تدفق النفط إلى الدول الأوروبية, وكان ذلك منسجمًا مع طبيعة الأهداف الأمريكية بالدرجة الأولى.
ولقد أسهمت إسرائيل ومعها الدول الكبرى الأخرى، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا تحديدًا في دفع إيران لاحتلال الجزر العربية الثلاث كجزء من مخطط واسع استهدف شغل العرب بصراع جانبي, لكي لا يتفرغوا لصراعهم الأساسي في فلسطين من جهة, فضلًا عن إضعاف إمكاناتهم وتشتيتها، بدلًا من توحدهم في مواجهة الكيان الصهيوني من جهة ثانية, وبهذه الطريقة يضمن الصهاينة والدول الكبرى إضعاف العرب، ومنعهم من تحقيق مشروعهم النهوضي الحضاري.
وبلاشك إن احتلال إيران للجزر العربية الثلاث خدم الكيان الصهيوني كثيرًا؛ لأن قيام دولة معادية للعرب باحتلال واحد من أهم الممرات المائية في منطقة الشرق الأوسط والعالم (مضيق هرمز) , يعني تطويق العرب, وإضعاف فعالية المقاطعة الاقتصادية التي استخدمتها الأقطار العربية كسلاح ضد الصهاينة منذ قيام إسرائيل عام 1948م, فضلًا عن ذلك، فقد ضمن احتلال إيران للجزر العربية الثلاث والسيطرة على مضيق هرمز بوصفه البوابة المهمة للخليج العربي للكيان الصهيوني تدفق النفط الإيراني بلا معوقات جدية, مثلما كان يحدث سابقًا قبل احتلال إيران للجزر العربية الثلاث.
لقد كان الدور الإسرائيلي واضحًا في احتلال إيران للجزر العربية الثلاث, حيث قدمت إسرائيل دعمًا لوجستيًّا كبيرًا لإيران, في الوقت الذي ضغط فيه اللوبي الصهيوني على عدد من الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن؛ لضمان سكوتها عن المخطط الإيراني العدواني, وهكذا احتلت إيران الجزر العربية الثلاث في ظل صمت وسكوت دوليين، تمامًا كما حدث أثناء إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية, مما يؤكد ترابط المخطط العدواني على الأمة العربية, سواء في فلسطين أو في الجزر العربية الثلاث.
ثانيًا: سبل المواجهة العربية للأزمة الإيرانية - الإماراتية:
تستلزم مواجهة الاحتلال الإيراني للجزر العربية الثلاث من العرب توحيد جهودهم وتضافرهم, وتوفير آليات تحرير الجزر العربية من براثن الاحتلال الإيراني, سواء عن طريق الجهود الدبلوماسية والضغط على النظام الإيراني, الذي لم يختلف في نظرته إلى موضوع الجزر العربية الثلاث, عبر مختلف عهوده, أو عن طريق القوة العسكرية التي تستلزم تعزيز القدرات الحربية العربية؛ لإجبار إيران على التراجع عن الاستمرار في احتلال هذه الجزر الاستراتيجية, ويتطلب ذلك أيضًا تفعيل دور الجامعة العربية, وقيامها بدورها القومي في قضية الجزر العربية الثلاث, فضلًا عن استثمار علاقات بعض الأقطار العربية بإيران, وقيام هذه الأقطار بالضغط عليها, لكي تدرك أن الأراضي العربية واحدة، سواء في فلسطين أو في الخليج العربي, وأن احتلال أي منطقة عربية هو احتلال وعدوان أجنبي يهدد الأمن القومي العربي في الصميم, وأن ما قامت به في زمن الشاه محمد رضا بهلوي لا يختلف عما قام به الصهاينة من احتلال الأرض الفلسطينية، وإقامة كيانهم الغاصب عليها.
(يُتْبَعُ)