فهرس الكتاب

الصفحة 8801 من 28557

ويخاطب المؤمنين يحذرهم من الكفار فيقول سبحانه: (( إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا ) ) (1.1) .

حقائق ناصعة لا لبس فيها ولا غموض، وآيات بينات محكمة لا تحتاج إلى تفسير وبيان، نزلت من لدن لطيف خبير يخبرنا فيها ربنا جل جلاله عن طبيعة الصراع بين المؤمنين والكفار، وأنه صراع على الدين، لا على المصالح الدنيوية، وأنه دائم ما دام على الأرض كفار ومؤمنون، وأن الكفار لا يزالون جادين في إخراج الناس من دينهم لو استطاعوا، وأنهم متفانون في إطفاء نور الله تعالى الذي هو الإيمان، ومستميتون في جعل كلمة الله تعالى التي هي كلمة التوحيد سفلى، ويأبى الله تعالى إلا أن يتم دينه، وأن يجعل كلمته العليا؛ وذلك بنصر المؤمنين، وتأييدهم بجنده، ودحر الكفر وأهله: (( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) ) (البقرة: 217) .

(( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ) (التوبة: 32 - 33) .

(( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) ) (التوبة: 4.) .

وإذا كان الكفار قد فعلوا بالرسل عليهم السلام ما فعلوا مما قص الله تعالى علينا خبره في القرآن، فكيف لا يفعلون ذلك بأتباع الرسل في هذا الزمان؟!: (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ) ) (إبراهيم 13) .

والكفار من قوم شعيب قالوا له: (( لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ) ) (الأعراف: 88) .

والكفار من قوم لوط عليه السلام تآمروا عليه وقالوا: (( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) ) (النمل: 56) .

وأخبر الله تعالى عن مشركي قريش أنهم اجتمعوا على الشر، وتواصوا بالباطل، وتمالئوا على النيل من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن قبيلتهم، وخير الناس فيهم: (( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) ) (الأنفال: 3.) .

وفي آية أخرى: (( وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا ) ) (الإسراء: 76) .

إذا تقرر هذا الأصل العظيم الذي قرره القرآن، من دوام عداوة الذين كفروا للذين آمنوا، وأنها عداوة دينية لا دنيوية، فهل يمكن أن يخدع المؤمنون بأكبر خدعة في هذا العصر، وهي خدعة التعايش السلمي بين أهل الحق وأهل الباطل.

إن الحق والباطل ضدان لا يجتمعان ولا ينتفيان، ومن قال غير ذلك فقد قال محالا؛ إذ في الزعم بإمكان اجتماعهما وتآلفهما وتعايشهما تكذيب لما أخبر الله تعالى من ديمومة العداوة بينهما في كثير من الآيات القرانية، ونفي لتاريخ طويل من تنازعهما واحترابهما، وفي الزعم بانتفائهما تكذيب للقرآن الذي أخبر ببقائهما إلى آخر الزمان، وتعطيل لحكمة الله تعالى في ابتلاء البشر وامتحانهم ببقائهما.

وأما التعايش السلمي بين أنصار الحق وأتباع الباطل فغير واقع في تاريخ البشر، ولا هو ممكن أيضا؛ لأن أهل الحق مأمورون بنشر الحق ونصره، والقضاء به على الباطل، كما أن أهل الباطل مدفوعون من الشياطين إلى نشر باطلهم ونصره، والقضاء به على الحق، فلا بد أن يخضع أحد الفريقين للآخر، وفي حال خضوع أنصار أحدهما، وهيمنة أنصار الآخر يسود هدوء يسميه الجاهلون تعايشا سلميا، وهو خنوع وضعف أصاب أنصار أحدهما لحساب أنصار الآخر.

فإن كان الضعف قد أصاب أنصار الحق، لحساب جند الباطل كفارا كانوا أم مبتدعة ضلالا؛ فإن الظلم والبغي والخوف يسود في الأرض التي ساد الباطل فيها، وتسفك دماء بريئة في سبيل الشيطان وجنده؛ كما حصل في أزمان الحروب الصليبية، والاجتياح التتري، ثم الاستعمار بشقيه القديم والحديث.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت