فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكما وقع من المبتدعة الباطنيين لما تمكنوا في بعض ديار أهل الإسلام. وكما يقع في هذا العصر الذي كانت الغلبة فيه لصهاينة أهل الكتاب على سائر البشر.
بل إن التاريخ يثبت أن الظلم والبغي قد وقع بين أهل الباطل بعضهم على بعض، في حروب عقائدية شرقية وغربية خلفت دموعا ودمارا، وأفنت بشرا كثيرا.
وأما إن كانت الدائرة لأهل الحق على أهل الباطل فإن العدل والأمن يسود في الأرض التي ساد الحق فيها؛ كما وقع من المسلمين لما فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وحكموا بين العباد بشريعة الله تعالى التي هي الحق والعدل والرحمة. وبشهاده الكفار من الروم والفرس والترك واللاتين وغيرهم أن حكم المسلمين فيهم أيام الفتوحات الإسلامية كان أعدل فيهم وأرحم بهم من حكم ملوكهم وأباطرتهم، وما نعمت كثير من شعوبهم بالعدل والرحمة إلا لما تفيأت ظلال حكم الإسلام، وكان كثير من أفرادهم يهربون من ظلم ملوكهم إلى عدل أهل الإسلام. ودون المكذبين والمشككين في ذلك كم كبير من كتب التاريخ، وشهادات المؤرخين غير المسلمين على ذلك.
إن مصطلح التعايش السلمي لم يرد في الكتاب ولا في السنة، بل فيهما ما يناقضه ويبطله، ولا وقع عمليا في التاريخ القديم ولا المعاصر، وإنما تم سكُّ هذا المصطلح في أروقة السياسة الصهيونية، ومن ثَمَّ صُدِّر للمسلمين قبل أربع وثلاثين سنة عقب انتصار المسلمين على اليهود في حرب العاشر من رمضان، ثم إدخال النفط كسلاح في الحرب؛ فاخترع الصهاينة هذا الشعار ورفعوه لتخفيف الضغط عليهم، ورد المسلمين عنهم، فحصل لهم ما أرادوا. ثم صار سلاحا يستخدمونه إذا رأوا أن المعارك ليست في صالحهم.
ومع مرور الأيام تم تطوير هذا المصطلح الحادث، وتحول إلى دعوة فكرية، لها امتداد عقدي يسعى بجد لنشر الإلحاد في بلاد المسلمين، وذلك بالسماح للمرتدين بإظهار ردتهم، وتمكين المنصرين من العمل في أوساط المسلمين، والقضاء على عقيدة الولاء والبراء، وادعاء أن الحق خفي، وأن الأديان قد فرقت البشر، ولا يجمعهم إلا قبول أهل الحق بالباطل، بل إخضاع الحق لباطلهم الإلحادي، وكل هذا الضلال يجري ترويجه ونشره، والدعاية له تحت مسمى: (التعايش السلمي) الذي ما رأيناه إلا قيدا قُيِّد به أهل الحق عن نشر حقهم، والمطالبة بما يجب لهم، ورد العدوان عليهم، ورفع الظلم عنهم. وكان هذا الشعار عونا لأهل الباطل في نشر باطلهم، والمحافظة على ما اغتصبوه من بلاد المسلمين وحقوقهم؛ ليستريح أهل الباطل في ظله، ويخدعوا به أهل الحق، ومن ثم ينطلقون إلى ظلم جديد، بعد الاستعداد الجيد، وتخدير المسلمين، وهكذا رأينا فيما عشنا من سنوات ماضية.
إن الإسلام قد أعطى كل ذي حق حقه، وأمر بالتعامل مع المخالفين كل بحسب فعله وجريرته من غير ظلم ولا بخس ولا تعدي؛ فالمحاربون من الكفار والمنافقين لهم الحرب والقتال، بما يدفع شرهم، ويزيل خطرهم، ويكسر شوكتهم. وأما المسالمون الذين يريدون الأمان، وقد قبلوا بحكم أهل الإسلام فلهم الحماية والذمة والأمان، توفى لهم عهودهم، وتبذل لهم حقوقهم، لا يَظلمون ولا يُظلمون، مع الإحسان إليهم، والبر فيهم، وتأليفهم على الإسلام لعلهم يسلمون.
وأما المنافقون: فإن أظهروا ردتهم عوملوا معاملة المرتدين، وإن أخفوها عوملوا معاملة المسلمين، ووكلت سرائرهم إلى الله تعالى.
وليس في الإسلام مصطلحات مائعة، ولا شعارات براقة خادعة، ولا يحتاج المسلمون لمن يكمل لهم نقصا في دينهم، أو يدلهم على خير أغفلته نصوصهم؛ فإن الله تعالى ما قبض رسوله صلى الله عليه وسلم إلا وقد أكمل دينه، وأتم نعمته، وبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم هذا الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده المؤمنين.
ألا فاتقوا الله ربكم، واستمسكوا بدينكم، ولا تخدعو بشعارات أعدائكم؛ فإن الله تعالى ما كلف العباد أن يغيروا الواقع وهم لا يطيقون ذلك، ولكنه سبحانه أمرهم بالتمسك بدينهم، والثبات عليه إلى الممات: (( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ) (الزخرف: 43)
وفي الآية الأخرى: (( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) ) (الأنعام: 1.6) .
بارك الله لي ولكم في القرآن.
الخطبة الثانية
(يُتْبَعُ)