فهرس الكتاب

الصفحة 8805 من 28557

وبعد! فأدام الله عليكم النعم التي أكرمكم بها، ووفقكم لما فيه رضا الله، وثناء المسلمين وشكرهم وطيب الذكر وخلود الأثر ولسان صدق في الآخرين، وما هو وفاء وقيمة لمواهبكم العظيمة والفرص السانحة الكريمة التي منَّ الله بها عليكم.

إنه من المقرر المعلوم لديكم أن هذه البلاد ليست ككل البلاد التي ينظر في قضاياها، ومدنيتها، وتقدمها، وترفيه أهلها، وتنظيم معارفها، وتوجيه الرأي العام فيها كأي بلد في الشرق والغرب، إنها بلاد أراد الله وقضى أن تكون عاصمة الإسلام ومعقل الدين، ومثابة لقلوب المسلمين، وإنها مقدمة ووديعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجت ببعثته من الظلمات إلى النور، ومن الخمول والعزلة والانطواء والاختفاء في حاشية الأمم تحت ركام التاريخ، إلى الشهرة والقيادة، والمركزية في العالم، وانتشرت لغتها وثقافتها في أوسع رقعة من الأرض، وفي أطول مساحة من الزمن، وفي أوسع دائرة وأكثرها تنوعًا من الشعوب والأمم.

فمما يقتضيه الدين والشعور بالأمانة والمروءة والشرف والاعتراف بالواقع التاريخي والعملي ومراعاة عواطف المسلمين المنتشرين في مشارق الأرض ومغاربها، ومما تقتضيه السياسة الحكيمة أن يكون كل ما يُقرر ويسنُّ، ويدعى إليه ويسمح به في مصلحة من مصالح الحكومة، وفي كل ناحية من نواحي الحياة العامة، خاضعًا لشخصية هذه البلاد الخاصة، ورسالتها، ومركزها في العالم، والدعوة التي قامت بها في الماضي، وعُرفت بها في الحاضر، وليُتجنب كل التجنب عن كل ما ينافي عقيدتها ومبادئها، ويرزؤها في شخصيتها ومعنوياتها، مهما جر ذلك على هذه البلاد من النفع المادي، وعلى أهلها من الترفيه والتسلية والخصب، وإن هذه البلاد وقادتها أولى بهذه التضحية في سبيل المبدأ من الشيوعيين في روسيا والرأسماليين في أمريكا، الذين لا يسمحون أبدًا بما ينافي مبدأهم وسياسة بلادهم مهما صغر وتفه، ومهما تضخم نفعه المادي وربحه المالي.

وقد يعتقد بعض الناس أن في هذا التوسع والانطلاق في مواد التسلية وتقليد الأقطار المتمدنة التي سارت وراء الغرب في أساليب التعليم وبرامج الإذاعة وتطبيق مظاهر الحياة الغربية مما لا تقدم ولا تؤخر في نهضة البلاد وقوتها، ترفيهًا للشعب، وتحقيقًا لمطالبه، وعلاجًا للتذمر، وشاغلًا له عن التفكير الخاطئ، وتقدمًا بالبلاد - ومع الأسف والاعتذار- لا أوافق على ذلك في ضوء التجربة والتاريخ، فليس هذا هو العلاج، وماء البحر المالح الأجاج لا يزيد الشارب إلا عطشًا، إنما العلاج هو تحقيق العدالة الاجتماعية الإسلامية، والتقدم بصناعة البلاد وتجاربها، وإيجاد الوسائل الكفيلة للرزق الحلال، والسير في طريق الاكتفاء الذاتي، وكفالة البلاد لنفسها، وإنشاء المصانع، وترخيص الحياة وحاجياتها، والتقليل أو التحديد من أسباب البذخ والكماليات، والترفيه الكريم المشروع، الذي ليس ضيقًا ولا محدودًا؛ كما يعتقد من لا يعرف الشرع وطبائع البشر.

أما التقليد والتفكير المترهل الذي ينجرف مع التيار، والذي لا مقاومة فيه، والذي يخضع لكل دعاية، ويُسرع إلى تحقيق كل مطلوب؛ فهو خطر على البلاد، وخطر على الحكومة، وهو ينشر في أقرب وقت التفسخ الخلقي والميوعة، وضعف الشخصية، الذي تعانيه البلاد الأخرى، وقد أفلت الزمام من أيدي قادتها ومصلحيها؛ فأصبحوا لا يملكون من أمرها شيئًا.

ثم إن هذا الاتجاه يُفقد هذه البلاد حرمتها وقداستها وشخصيتها، ويقطع صلتها عن الماضي، ويحول بين هذه البلاد وقادتها، وبين نصر الله ورحمته التي لا انتصار ولا عز ولا كرامة، ولا سلامة ولا عافية بغيرها، فالعدو قوي ماكر، لا يحترز من شيء في سبيل مراميه البعيدة، وعزائمه الخبيثة، وفيه الحرمان من أسباب نصر الله ورحمته التي لا غنى بنا عنها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت