رابعًا ـ إنّ الأمير عبد القادر توفي سنة (1300هـ) !، والشيخ نصيف من مواليد (1302هـ) ! أي بعد وفاة الأمير بسنتين، والسائح التركي لا نعرف من هو ولا تاريخ مولده، ولكنّ اللقاء جرى بينه وبين الشيخ نصيف سنة (1355هـ) !!! أي بعد وفاة الأمير بخمس وخمسين سنة! فمن أين لهذا السائح التركي تلك المعلومات؟ شراء جميع تلك المخطوطات أو استيهابها ثمّ الاطلاع على ما فيها وبعد ذلك إحراقها!!
إنّ واحدة من تلك المعلومات تحتاج من راويها أن يكون معاصرًا للأمير ومخالطًا له ومطلعًا على أعماله واتصالاته، فما بالها غابت عن كل من خالط الأمير واجتمع به وعاش معه من العلماء والوجهاء والأدباء والأعيان الذين ترجموا له وكتبوا عن سيرته، وظفر بها السائح التركي المجهول والذي يفتقر إلى كل تلك الصفات؟!
خامسًا ـ إن حادثة مثل هذه (إحراق مخطوطات) هي حادثة كبيرة جدًا، ومن الغريب والمستبعد جدًا ألاّ يعلم بها أحدٌ من أهل الشام على مختلف طبقاتهم، فكل من ترجم للأمير عبد القادر، وهم من تيارات مختلفة: ففيهم الصوفي وفيهم السلفي وفيهم الكافر وفيهم المسلم وفيهم المستشرق والمغرض وفيهم المؤرخ الحر وفيهم الأدباء، كل هؤلاء لم يذكروا هذه الحادثة أو يشيروا إليها لا من قريب ولا من بعيد!! فكيف علم بها السائح التركي وحده؟ وكيف قَبِل منه هذا الخبر الشيخ محمد نصيف؟!
وهؤلاء العلماء ذكروا ما للأمير وما عليه بإنصاف وعدل.
سادسًاـ من المعلوم عند أهل العلم أن السلطان سليم العثماني هو من أشد الناس تعظيمًا وتقديسًا لابن عربي، وبعد دخوله إلى الشام أسرع وأمر ببناء مقام للشيخ ابن عربي بصالحية دمشق في أعلى الجبل وفق إشارة الشيخ ابن عربي في أحد كتبه!! [انظر (منتخبات التواريخ لدمشق) للحصني 2/ 573] (وكان يعبّر عن هذه الإشارة بعض شيوخ المتصوفة بقولهم: إذا دَخَلَت السِّين في الشين ظَهَرَ مقام محيي الدين! إذن فلتكن السين هي رمزٌ للسلطان سليم والشين رمزٌ للشام)
ومن المعلوم أيضًا عند أهل العلم أن السلطان سليم قام بمصادرة مخطوطات الحديث والسنة من الشام ومصر وألقاها في أقبية الآستانة (وهذا قبل أن يولد أجداد الأمير عبد القادر) ، وآخر من اطلع على هذه المخطوطات من العلماء المشاهير الحافظ ابن حجر العسقلاني،رحمه الله، فلماذا لم يذكر أحد من أهل التواريخ أن السلطان سليم أحرق الكتب التي ترد على ابن عربي؟ ولماذا لم يقم بهذا الفعل أصلًا مع تعصبه الشديد لابن عربي؟[والدليل على ما قاله أهل العلم من المؤرخين هو عثور الأستاذ أحمد زكي على مخطوط (تنبيه الغبي) في خزائن القسطنطينية (استنبول) !!. انظر مقدمة عبد الرحمن الوكيل ص13
فائدة: [الأستاذ أحمد زكي باشا والملقّب بشيخ العروبة كان من أصدقاء الأمير سعيد الجزائري حفيد الأمير عبد القادر]
سابعًا ـ إنّ الدولة العثمانيّة في كلّ أطوارها كانت ترسّخ التصوّف وتشجّعُ عليه في كلّ أرجاء دولتها، وهي التي أنشأت الأضرحة والقباب والمقامات والزوايا وأجرت لها الأوقاف، وعيّنت كبار شيوخ التصوف مُتَولِّين على الأوقاف الإسلامية. وكما نعلم فإنّ المتصوفة يعظّمون ابن عربي ويقدّسونه فهل يريد منا الشيخ نصيف أن نقبل أن جميع هؤلاء المتعصبين لابن عربي من السلطان سليم وباقي السلاطين والولاة مرورًا بمشيخة الطرق والأضرحة لم يتعرّضوا للكتب الرادة على ابن عربي عبر تلك القرون كلها وحافظوا عليها واعتنوا بها، وتركوا التفكير بإحراقها، حتى إذا أهلَّ زمان الأمير عبد القادر؛ ذلك القائد الفذ والأديب الشريف، أقدم على التفكير بهذه الطريقة وقام بتنفيذها؟!!!
إنّ هذا حقًا لأمر عجيب ولا يمكن القبول به عند العقلاء.
وألفت الانتباه إلى أنّ السيوطي نفسه؛ وهو الذي ردّ على كتاب الإمام البقاعي؛ كان يعتقد بولاية ابن عربي ولكن كان يقول بحرمة قراءة كتبه!
وجلّ شيوخ التصوف كان هذا مذهبهم ينهون أتباعهم عن نسخ كتب ابن عربي أو قراءتها مع إقرارهم بولايته!! ويقولون للناس إن الفقهاء الذين ينتقدون ابن عربي لم يفهموا كلامه ونحن نعذرهم فهم أهل الظاهر وابن عربي من أهل الباطن!!
إذن فما الحاجة إلى إحراق كتب العلماء التي انتقدت ابن عربي؟
(يُتْبَعُ)