فهرس الكتاب

الصفحة 8827 من 28557

ليس هناك حاجة طبعًا سوى أن مختلق هذه القصّة (السائح التركي!) أراد أن يشوّه صورة الأمير عبد القادر فحسب، فالأمير صوفي المشرب في الأصل وهذا يكفي عند البعض لأن يكون مباح العرض والدم فيفترى عليه بالباطل وتلصق به التهم.

ثامنًا ـ أنا أعلم أنّ الأمير عبد القادر كان صوفيّ المشرب وقرأ"الفتوحات المكيّة"، ولكن هذا لا يسمح لي أن أجزم من عند نفسي بأنّه كان موافقًا لابن عربي في كلّ شذوذاته وانحرافاته، كيفَ لي ذلك وأنا أقرأُ في كتاب المواقف؛ الذي نَسَبه الشيخ محمد نصيف للأمير! (وليس له) ؛ قولَ الأمير:"وما يُنسَبُ لسيدنا خاتم الولاية محيي الدين مِنَ الكتب المؤلّفة في علم التدبير والكيمياء، ولغيره من الأولياء الدّاعين إلى الله تعالى؛ فزورٌ وافتراء، فإنّه مُحالٌ أنْ يَدُلَّ وليٌ من أولياء الله، عبادَ الله على ما يقطعهم عن الله تعالى ... وكذا ما يُنسَبُ لسيدنا محيي الدين، من الكتب المؤلّفة في الملاحم والجِفْر كالشّجرة النعمانيّة وغيرها .. وكذا الفتاوى المنسوبة إليه، كذبٌ وزور".انتهى [المواقف 2/ 709]

فكما ترون فإنّ الأمير عندما اطّلَعَ على كلامٍِ يُنسبُ للشيخ ابن عربي ووجَدَه مخالفًا للشريعة أسرعَ فنفاه عنه وذلك في كتابه الخاص بعلوم القوم، والسبب في ذلك أنّ الأمير نشَأ على محبّة من يُسمّونهم أولياء الله، ومنهم ابن عربي. فمن باب حُسنِ ظنّه به نفى عنه ما رآه مخالفًا للشرع.

ولَسْتُ هنا في معرض تصويب أو تخطئة كلام الأمير في نفي تلك الكتب أو إثباتها، ولكنّ الذي أُريد بيانه أنّ الأمير صرَّح بعدم موافقته على الكلام المخالف للشرع الذي نُسِبَ لابن عربي، فكيفَ يسمح البعض لأنفسهم أن يجزموا بأنّ الأمير كان على معتقد الشيخ ابن عربي من الحلول والاتحاد؟!

كما فعل الشيخ محمد نصيف الذي لم يكتف بذلك بل قال: (( وقد ألف الأمير عبد القادر كتابًا في التصوف على طريقة ابن عربي. صرّح فيه بما كان يلوّح ابن عربي ) ). سبحان الله!

وانظروا إلى تحذير الأمير من ذلك عندما كان يشرحُ بعض إشارات الصوفيّة قال في آخر كلامه:

"واحذر أن ترميَني بحلولٍ أو اتّحاد أو امتزاج أو نحو ذلك، فإني بريء من جميع ذلك ومِنْ كل ما يُخالف كتابَ الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ..".انتهى [المواقف 2/ 869]

وانظروا إلى قوله:"... فإنّ هلاكه أقرب، ونجاته أغرب، إذ للشيطان فيه مدخلٌ واسع وشبهة قويّة فلا يزال أبو مُرّة (يعني إبليس) معه يستدرجه شيئًا فشيئًا يقول له: الحقُّ ـ تعالى ـ حقيقَتُكَ، وما أنتَ غيرُه، فلا تُتْعِب نفسك بهذه العبادات، فإنّها ما وُضعت إلا للعوام الذين لم يصلوا إلى هذا المقام، فما عرفوا ما عَرَفت، ولا وصلوا إلى ما إليه وصلت. ثمّ يُبيحُ له المحرّمات، ويقول له: أنتَ ممَّن قال لهم: اعملوا ماشئتم فقد وجبت لكم الجنّة، فيُصبِحُ زنديقًا إباحيًّا حلوليًّا، يمرقُ من الدِّين كما يمرق السهم من الرميَّة".انتهى [المواقف 3/ 1043]

يقول شارل هنري تشرشل: (( إن العرب ينسبون نجاح وحظّ عبد القادر السعيد إلى تعضيد سميّه العظيم(يقصد بسميّه الشيخ عبد القادر الجيلاني) ، ولكن كلّما سُئلَ عبد القادر عن عقيدته في هذه الخرافة، أجاب بلا تغيير، مُشيرًا بإصبعه إلى السماء،"إنّ ثقتي في الله وحده")).انتهى [ (حياة الأمير عبد القادر) ترجمة أبي القاسم سعد الله ص46]

وهذا نصٌّ واضح يرويه هنري تشرشل (البريطاني المسيحي) مباشرة عن الأمير ـ فقد لازمه مدة خمسة أشهر في دمشق سنة 1860م يسأله عن حياته العائلية ووقائعه في الجزائرـ وبعد أن سأله مرارًا عن عقيدته فيما يعتقده بعض المتصوفة من أنّ نجاح الأمير كان بسبب عناية الولي الجيلاني به ومساندته له، كان جواب الأمير ثابتًا دائمًا، كان يُشير بإصبعه إلى السماء ويقول:"إنّ ثقتي بالله وحده"!! وهذه النصوص التي سقتها لكم هي نصوص ظاهرة الدلالة يصرّح فيها الأمير عن معتقده، فلا يجوز أن يُتغافل عنها ويُصار إلى الكلام عنه بالتخرّص والتوهّم!! بل يتعيّن الاعتماد عليها وطرح ما يخالفها.

وسيأتي مزيدٌ لبيان فكر وعقيدة الأمير عبد القادر عند الحديث على كتاب المواقف إن شاء الله.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت