الإسراء) هل نقع في هذا إذا اشتهينا أي نعمة حلال من نعم الدنيا؟ وهل معناه أنني أريد العاجلة ولا أعمل حساب الآخرة؟ آخر الحلقة الماضية وقفنا عند قوله تعالى (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ) هل من ضمن العاجلة أو ينقص إيماني أو أكون من الآثمين أن أشتهي نعمة حلال أعطاني إياها الله تعالى؟
د. هداية: لا عندما تشتهي الحلال والتزهد كما يقول بعض الصوفية يكون في الحلال، الإنسان يتزهد في الحلال ابتغاء مرضاة الله.
المقدم: إذا أخذنا الموضوع من وجهة نظر الصوفية أنني أتزهد في الحلال قربى إلى الله ألا يجعلني هذا أسلك مسلك الرهبانية التي لم يكتبها ربنا تعالى (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ(27) الحديد)؟
د. هداية: هذه قضية نسبية قد نشرحها في عدة حلقات لكن نأخذ منها ملمحًا التزهد الذي دخل في الرهبنة ليس جديدًا وحصل في عهد الرسول r عمدما قال له أحدهم أنا أصوم ولا أفطر وآخر قال أنا أقوم الليل ولا أفتر وآخر قال أنا لا أتزوج النساء فقال r لهم أنا أتزوج الناس وأقوم وأنام وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني. المشكلة في موضوع التزهد أن بعض الناس يبدأه ولا يستكمله وهذه طريقة غبية في التزهد أن أحمل نفسي البشرية فوق طاقتها. البعض يتطرف داخل التدين لأنه لم يسمع نصيحة الرسول r عن الدين"إن هذا الدين لشديد فأوغلوا فيه برفق"ولا ترغب عن سنة الرسول صُم وأفطر وقم ونم وتزوج الناس وتعامل مع الناس وتخرج وتعمل وهذه قضية يجب أن تفهم بشكل صحيح وبما يرضي الله تعالى بأن أتحرى الحلال وأجتنب الحرام ويمكن أن لا أبالغ في الحلال فأزيد من زكاتي مثلًا وهذه قضية نسبية.
المقدم: هناك من الناس من أفاض الله تعالى عليه بالمال الوفير عليه أن يكون لديه ضوابط حتى وهو مقتدر ويتبع قوله تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا(67) الفرقان).
د. هداية: هو لم يسرف ولم يقتر وقال القرآن (قواما) هذا على مدار التقويم أنه يبحث المسائل والحالات على أساس أنه من عباد الرحمن. القرآن كان واضحًا في مسألة"الذي تريده أعمله لك"وهذه مسألة تحتاج إلى وعي أن هذا اإله الحق الإله الواحد الذي لم يلد ولم يولد التوصيف القرآني المبدع لا يُعبد إلا بإذنه (الحمد لله الذي هدانا لهذا) ولا يُعصى إلا بعلمه فلا يمكن لأحد يهودي أو نصراني أو غيره أن يقوم بعمل لم يكتبه الله تعالى. من كفر بالله أو أشرك أو ألحد لا تعتقد أنت كمسلم أن هذا خارج عن علم الله تبارك وتعالى أو متمرد بكفره لا يمكن له أن يفعل شيئًا لا يريده الله تعالى وهذا مسلم كرهًا بينما الذين أسلمول لرسالة محمد r هؤلاء أسلموا كواعية وهذه قالها القرآن الكريم (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا(83) آل عمران). هذا الإله الحق لا يُعبد إلا بإذنه ولا يُعصى إلا بعلمه فالكافر كافر والله يعلم قبل خلقه أن سيكفر ولهذا يحسب الكتاب له حتى يكون حجة عليه يوم القيامة. الآية التي معنا (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ) فيها ألفاظ مبدعة فلم يقل تعالى فيها آتيناه أو أعطيناه وإنما قال (عجلنا له) وكذلك عند أهل التقوى (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13) الكهف) إذن المسألة تحتاج لوعي فالذي يريد العاجلة عجلنا له فيها يعني أخذ ما يريد، الدنيا إسمها العاجلة لأنها مؤقتة وزائفة وهي التي معك لكنه قال تعالى (عجلنا له فيها ما نشاء) لمن نريد فقد يطلب الكافر ولا يأخذ إلا ما يريد الله تعالى (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا(19) الإسراء) إذن الآخرة لها سعي مخصوص من عهد آدم رسول تلو رسول إلى أن نصل إلى رسول الله r ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ(40) الأحزاب) فبه r اكتملت اللبنات كما قال r في الحديث وهو آخر نبي وليس آخر رسول لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول فلن يأتي بعده r لا نبي ولا رسول.
(يُتْبَعُ)