فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ويبقى النظر في القولين الآخرين، وهما: التوقف، أو أن نقول: إنه لا يخلو منه العرش.
فذهبت جماعة من العلماء رحمهم الله إلى التوقف، وقالوا: ما لنا ولهذا السؤال أصلًا. ولا ينبغي أن نورد هذا السؤال؛ لأننا لسنا أشد حرصًا على العلم بالله من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن هذا، فنقول: هذا السؤال من أصله غير وارد، ونقول لمن أورده: أنت مبتدع ودعنا من هذا.
وعندي أن هذه الطريقة أسلم طريقة؛أن لا نسأل عن شيء لم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم، وأن نلقم من سأل عنه حجرًا، فإذا قال قائل: أنا أريد المعقول، قلنا: اجعل عقلك في نفسك، وفكر في نفسك، أما في مثل هذا الأمر فلا تفكر فيه ما دام لم يأتك خبر عنه.
وللأسف فإن بعض الناس يجادل ويقول: دعوني أتصور النزول حقيقة حتى أتبين هل خلا منه العرش أم لا؟، فنقول: سبحان الله! ألا يسعك ما وسع الصحابة رضي الله عنهم؟ اسكت واترك هذا الكلام الذي لم يقله الصحابة رضي الله عنهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وهم أشد الناس حرصًا على العلم بالله، وأعلم الناس بالله.
وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يخلو منه العرش، لأن الله تعالى ذكر أنه استوى على العرش حين خلق السموات والأرض، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا نزل خلا منه العرش، فالواجب بقاء ما كان على ما كان، فهو سبحانه استوى على العرش، ولم يزل مستويًا عليه، وينزل إلى السماء الدنيا في هذا الوقت، والله على كل شيء قدير، وهو سبحانه لا يقاس بخلقه.
كما إننا نقول جزمًا: إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا لم يكن نازلًا على المخلوقات، بل هو فوق كل شيء، وإن كان نازلًا إلى السماء الدنيا؛ لأن الله لا يقاس بخلقه، والى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن العرش لا يخلو منه. ولكني أميل إلى ترجيح القول الثاني وهو التوقف وألا يورد هذا السؤال أصلا، وإذا كان الإمام مالك رحمه الله لما قال له القائل: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ قال: السؤال عن هذا بدعة، فإننا نقول في هذا: السؤال عنه بدعة.
المبحث الرابع: استشكل كثيرٌ من الناس في عصرنا: كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ونحن نعلم أن ثلث الليل الآخر لا يزال ساريًا جاريًا على الأرض وتحت السماء، فيلزم من ذلك أن يكون النزول إلى السماء الدنيا دائمًا؟
والجواب على هذا أن نقول: ليس هناك إشكال في نزول الله تعالى في الثلث الأخير رغم استمرار تتابعه على الأرض، ونحن نؤمن بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( ينزل حتى يطلع الفجر ) )، فإذا كان كذلك فالواجب علينا ألا نتجاوزه، فما دام ثلث الليل الآخر باقيًا في منطقة من المناطق الأرضية فالنزول حاصل باقٍ، ومتى طلع الفجر في هذه المنطقة فلا نزول، وإن كان في الجهة الأخرى يوجد نزول، والله على كل شيء قدير، ولا يقاس سبحانه بالخلق؛ فينزل إلى السماء في ثلث الليل الآخر في جهة من الأرض، ولا ينزل بالنسبة لجهة أخرى ليس فيها ثلث الليل.
والحقيقة أن الإنسان إذا لزم الأدب مع الله ورسوله اطمأن قلبه، واستراح من التقديرات، أما إذا كان يورد على نفسه هذه المسائل فإنه ينتقل من مشكلةٍ إلى أخرى فيخشى عليه من الشك، نسأل الله العافية وأن يرزقنا اليقين، ولهذا يقول بعض السلف: أكثر الناس شَكًا عند الموت أهل الكلام، لأنهم فتحوا هذه المشاكل على أنفسهم وعجزوا عن حلها، لكن لو لزموا الأدب وقالوا ما قال الله ورسوله، وسكتوا عما سكت عنه الله ورسوله، لسلموا من هذا كله.
فمثلًا لو كان أحدنا في المنطقة الشرقية وقد أذن الفجر، والآخر في المنطقة الغربية وهو في آخر الليل، فإننا نقول: هذا وقت نزول ربنا عز وجل بالنسبة للذي في المنطقة الغربية، ونقول للآخر: انتهى وقت النزول.
وليس في هذا إشكال؛ فالذين هم في ثلث الليل يجتهدون في الدعاء لأنه وقت إجابة، والآخرون انتهى عندهم وقت النزول، ونسلم من هذه الإشكالات، ونتشوف كل ليلة إلى ثلث الليل متى يأتي حتى ندعو الله فيه.
(يُتْبَعُ)